محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٤ - الخطبة الثانية
الصارمة، والقسوة الطائشة، وألوان القتل والملاحقة والتضييق والتعذيب، وبالحديد والنار والإعلام الكاذب، وبتوظيف الثروة في الاستضعاف والإرعاب والتنكيل.
وكان أملُ الأنظمة من هذا كلِّه كسر إرادة الشعوب، وأن يسكن اليأس من الإصلاح والتغيير نفوس أبنائها حتى يتمَّ الاستسلام والرّضا ولو عن اضطرار بألوان الظلم وفَقْد الحرية والكرامة والعيش الخسيس ووضع الهوان والذِّلة.
لكنَّ شيئًا من ذلك لم يكن ولم تُفلِح كلّ المحاولات المجنونة لتحقيقه.
وجاء ردُّ فعل الشعوب تفاقم الحركة، التدفّق الهائل على الشوارع في استقبال وسائل الفتك والدمار بصدور عارية وقبضات عالية كلُّ محتواها الإصرار على العزّة والكرامة وروح الفداء والتضحية.
وكان من ردِّ الفعل اشتدادُ غضب الجماهير، وترسُّخ القناعة بضرورة التغيير، وتصاعد روح العزيمة والإصرار، وارتفاع سقف المطالب، وأنْ وجدت بعض الفئات في تجارب من تجارب هذا الحراك نفسها مضطرةً فيما قدّرت للدخول في معركة غير متكافئة من العنف في مقابل العنف ١٥.
وصارت الأنظمة فيما بعد ذلك تبذل فيما تعرضه على الشعوب أزيد مما كانت تبخل به قبل وتمنعه عليها من تحقيق مطالب في سقفٍ أكثر تواضعًا. وكان أنْ أتى رفض الشعوب بعدما ذاقت من قسوة الأنظمة وتعنُّتها، وجاء إصرارها على السّقوف العالية التي وصلت إلى إسقاط الأنظمة وقد تحقَّق لها من هذا الكثير.
هذه تجارب حيّة، ومشاهد قائمة على الأرض وأكبر من كلّ وسائل الإيضاح ولا تحتاج إلى تعليم ولا تلقين ولا تفتقر إلى عقلية فلسفية، وفكر معتاد على التدقيق.