محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦١ - الخطبة الأولى
الغرور:
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ٢
الغرور حالة انخداع نفسي قد تُوقع الإنسان فيها كلمة تزيين أو ثناء أو ظرفٌ من الظروف ووضع من الأوضاع فتخرُج به عن الواقع، وتشطّ به عن الرؤية الصّواب، والنظرة الموضوعية، وتُريه من نفسه أو من أمر آخر ما هو بعيد كُلَّ البعد عمّا هو عليه، وتغيّر مجرى حياته، وتقوده إلى هلاك.
والإنسان بطبيعته مُعرَّض لمثل هذه الحالة، وهو في حدّ نفسه مهيّأ للانخداع بظروف الرّخاء والشدّة، واستقاء رؤيته وموقفه منها في غياب من التأمّل والتدبّر وإمعان النظر في قراءة الخلفية الصحيحة للظرف الماثل توصُّلًا للحقيقة.
يأتيه امتحان من الله سبحانه بالإنعام ليتجلّى له نفسِه معدِنُه فينخدع بالنعمة ويحمل الأمر على أنه له كرامةٌ خاصّة، وشأنٌ معنويٌّ وقُربٌ وزلفى عند الله، بينما كلّ الأمر أن القضية قضية امتحان في أن يقابل النعمة بالشكر أو الكفران.
ويأتيه الامتحان من الحكيم تبارك وتعالى بضيقٍ في الحال فيقابل ذلك بالاعتراض بأن في ذلك إهانةً له من الله سبحانه وقد يرى أنه لا يستحقها متخذًا من السَّعة والضّيق في النعم المادية مقياسًا للقرب والبُعد المعنوي من الله سبحانه بَدَلَ أن يدرك أنه أمام امتحان إلهي في ضرّائه وسرّائه وأن قربه أو بعده من الله عزّ وجلّ إنما يأتي نتيجة لنجاحه وفشله في الامتحان.
الغرور يُعمي، ويحجب عن أسطعِ حقيقة، ويحول بين المرء وبين أن يرى ربَّه الكريم الذي خلقه وسوّاه فعدله في أيّ صورة ما شاء ركّبه، أن يرى عظمته التي لا تخفى