محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١ - الخطبة الثانية
خيانة للدين والأمَّة:
أيّ نظام سياسي، أيّ حكومة، أيّ معارضة، أيّ مؤسسة، أي شخص يعمل على زرع روح الكراهة بين أبعاض الأمة، بين قوميَّاتها، بين طوائفها، بين أقطارها، وعلى تمزيق صفوفها، وتأجيج الأحقاد بين مكوّناتها إذا استبعدنا جهله بسوء ما يفعل فلا يمكن أن يُوصَف إلا بالخيانة للدين والأمة فليس هناك مكرٌ بالأمَّة والدين أخبث من هذا المكر، ولا إضعاف لهما أشدَّ من هذا الإضعاف.
والمصيبة مصيبة حكومات كثيرة اليوم ترى أنَّ في هدم وحدة المسلمين في بلد أو أعم من بلد، وبعثرة كيانهم، ودخولهم في حروب كلامية، وحروب دماء حماية لوجودها ()، وقطعاً للطريق لأي تغيير سياسيّ في صالح الشعوب، وإبقاء لمكاسبها المحرّمة التي تقوم على نهب ثروة الأوطان، وإذلال إنسانها، وإلغاء كرامته.
ووراء هذه الحكومات قوى أجنبيَّة متربّصة بالأمَّة لما ترى في نهضتها، ونموذج حضارتها ما يسقط قيمة النموذج الحضاري المادي على تقدير انبعاثه بقوّة وصدق، وتجسُّده على ما هو عليه من أصالة على الأرض، ولما تُقدّر فيه من جاذبية لشعوب العالم، وقدرة على استقطاب الضمير الإنساني، والطموح البشري بصورة هائلة مما يجعلها ١٩ تخسر مواقعها المادية المتقدمة وتندحر أمام زحف الإسلام العظيم.
هذه القوى تعمل جاهدة على تفتيت وحدة الأمة، وإشعال الفتن المذهبية والطائفية والقومية والإقليمية بين أبنائها، وتوظّف كثيراً من الحكومات والمؤسسات والفئات والحركات والأشخاص من أجل إحداث الفتن الداخلية في إطار الأمَّة وإشعال نارها.
أمَّا من آمن بالإسلام حقّاً، وعرف ما أعطته الشهادتان من حصانة لدم المسلم وعرضه وماله، وأنه لا إكراه في الدّين، ووعى ما تعنيه الكلمة الخبيثة المفرِّقة الواحدة من إسهام ولو بسيط في إحداث الفتنة بين المسلمين من إثم كبير؛ فإنه يصبر على كلّ أذى يتلقّاه