محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٥ - الخطبة الأولى
وهدفُ العبادة كلّها أن تسموَ بذات الإنسان وتصنعه صُنعًا جيّدًا راقيًا، وكلّ ما فيها من حركات تؤدّيها الجوارح، أو معاناة جسد، أو جوع أو تعب، أو تضحية بالحياة هدفه ذلك، وقيمتُه في انفعال القلب بما يرمِز إليه من مضمونٍ توحيدي، وهدف قربي، وما يُترجمه من حب وعشق وخوف ورجاء في الله، وثقة به، واطمئنان إليه، وطلب لمرضاته، وما يُؤدّي إليه من تخلُّقِ النفس بأخلاق دينه، واقتباسها من أنوار أسمائه، واستضاءتها بمعرفته.
إنَّ المقصود الأول للعبادة كلّها صناعةُ داخل الإنسان ومستوى إنسانيته الصّناعة التي تبلغ به أرقى درجات كماله، ونُضْج ذاته.
ولنسمع ما تقول آيات الكتاب المبين:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٠.
... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١١.
وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ١٢.
... وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ١٣.
تقوى العبدِ الربَّ سبحانه، طُهْرُ ذاته، زكاتُها، نماؤها الطيّب، كونُه على ذكر دائم من ربّه يثير فيه العِشق له، يشدُّ قلبه إليه، يأخذ به إلى التشبُّه به بالصورة المحدودة المستعارة التي يتّسع لها وجوده في علمه ورحمته، وعفوه وكرمه، وفعله الخيرَ، وعدله مثلًا؛ هذا ما تستهدفه العبادة التي أمر بها الإسلام وشرّعها.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم ارزقنا ذكرك وشكرك، والجدّ في طاعتك وعبادتك. وبلغنا مرضاتك يا كريم يا رحمان يا رحيم.