محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤ - الخطبة الثانية
بصورة متعمدة، وصار لا مكان لأيّ مسيرة وأيّ اعتصام، وأيّ تجمّع للمعارضة، وأن كل ذلك تنفيه المصلحة الأمنية، ولا يشفع له الالتزام بالسلمية، ولا أقصى درجات الانضباط.
وهذا يعني غلق باب التعبير عن الرأي بصورة نهائية، ولأن استجابة الشعب لهذا المطمع مما تعرف السلطة جيداً أنه أصبح من المستحيل فيكون الهدف مزيداً من حصد أرواح الأبرياء من أبناء الشعب، ومزيداً من الاعتقالات، ووجبات التعذيب والتنكيل ونشر الفوضى، ومواصلة مسلسل المحاكمات الجائرة والعقوبات المشدَّدة.
وفي ظل هذا التوجه الأمني العدواني الشرس كيف تحتمل الجديّة فيما يُدّعى من تقديم بعض الشرطة إلى المحاكمة؟ هذه الدعاوى لا تعدو كونها من الدّعاية الأعلامية لتلميع السمعة الأمنية المنهارة للسلطة، وإلَّا فكيف تحاسب قتلة الشعب من جهة، وتطلق اليد لقوات الأمن من جهة أخرى بأن تمارس حريتها كاملة في الفتك والقتل لأبناء الشعب، وتصويب أنواع السلاح القاتل للمسيرات السلمية من مسافات قريبة، وتوجيه القذائف القاضية على رؤوس المستهدفين من الرموز وقادة الجمعيات بصورة متعمدة؟! هل يجتمع الأمران؟! لا.
وإذا كان لمحاكمة شكلية أن تطال شرطيّاً أو معذّباً منفذاً فإن المسؤولين الرئيسين عن التعذيب والقتل لا يمكن أن تطالهم محاكمة، أو يمسُّهم قانون.
إن اختيار السلطة للحل الأمني، وتشديد القبضة الحديدية، وحصد مزيد من الأبرياء من أبناء الشعب، ومضاعفة خسائره وآلامه لا يمكن إلّا أن يرفع مستوى قناعته بمواصلة حراكه السياسي، وسفاهة التراجع ليعود إلى وضع أسوأ من سابقه وأشد قهرا، وتهميشا، وإذلالًا، وأفتك به.
ولا يمكن إلا أن يباعد المسافة بين الطرفين، ويضيف إلى العلاقة بينهما تأزما إلى تأزم، وسوءاً إلى سوء، ولا يبقى شيئا من الثقة إلا أتى عليه ونسفه. ٢٥