محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٤ - الخطبة الثانية
وهل أُريد لدعوة الحوار غير ظاهرها، وأن يتحوّل واقعها إلى صراع مدمّر مرير؟ حتى لو لم يُرَدْ ذلك إلَّا أن تخطيط الحوار، وهندسة الحوار، وبرمجة الحوار لا تملك إلّا أن تُؤديَ إلى ذلك، ولا كفاءة لها، ولا قدرة على الحل.
ثم إنّه أين الخطأ، وأين الصَّواب، أين النفع وأين الضّرر، أين ما يُفضي إلى الحل وأين ما يُعطّله، ويقطع الطريق عليه؟ عند هذا الطّرف أو ذاك؟
عند من يقول بأنَّ الشعب مصدر السُّلطات ثم لا يعترف له بحقِّ الاستفتاء؟
عند من يعلم أنَّ الحكم هو الطرف الثاني الأصل في الحوار، وهو الذي يملك أن يُنفّذ مخرجاته ثم يرفض رفضًا نهائيًا قاطعًا أن يكون الحكم طرفا فيه ويلتزم صريحًا بالتوقيع على مخرجاته مقدِّمة لتنفيذها؟
من يُمثّل الحكم في الحوار من ناحية عمليّة بكلِّ شدّةٍ وصرامة وينكر تمام الإنكار أنَّ الحكم مُمثّل في الحوار حتى لا تلزمه نتائجُه؟
عند من يعرف أنَّ الأزمة سياسية وأنها منبع الأزمات الأُخرى، وأنها هي التي حرّكت الشارع ولا زالت تُحرّكه رغم ما تُكلّفه من أثمان مرهقة ثم يختصر مطالب الشّعب بكلِّ بساطة في تحسين الرواتب، ومسألة الإسكان وربما على الطريقة التي لا تبتعد كثيرًا عما عليه واقعها من تمييز سيء، وتسويف وتيئيس؟
لئن كان هذا هو الحقّ، وهو النافع، وهو الصّواب فما أشدّ تبدُّل الموازين، وانقلابها، وقد صحّ للحقِّ بهذا أن يُسمّى بالباطل، وللباطل أن يُسمّى بالحقِّ بكلِّ صدق ويقين.
من الظُّلم البيِّن الفاحش للوطن وأهله أن يسعى ساعٍ لتخريب الحوار، ووضع العصا في عجلته تبعيدًا للحلّ، وإضرارًا بالوطن، وأشدّ ظلمًا لهذه الأرض وإنسانها وحاضرها ومستقبلها أن يُستهدف للحوار أن يكون لإقرار الظلم وتكريسه، وإضفاء الشّرعية عليه، وإبقاء الوضع السياسيّ على فساده وإفرازاته القاتلة على ما هي من سوء وقتامة.