محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٩٣ - الخطبة الأولى
نعم من أدّب نفسه فذلك أدلّ على صدقه وإيمانه بفكرته، وعلى جدّيته وتحمّل أمانته، وأبلغ تعبيرًا عن وضاءة ما آمن به، وقدرته على الصناعة الناجحة للإنسان واستقامته.
أما تعليم الآخرين فلا يملك كل هذه الدلالات، ولا يحتاج في الأساس إلى أكثر من عامل الاستيعاب الفكري للقضية التي يريد توصيلها.
وهل ترى أن من يُؤثِر على نفسه يُساوي خُلقَه هذا أثرًا بليغًا، ودرسًا مؤثّرًا أن يدعو قولًا إلى خلق الإيثار ٦، ويشرح قيمته الخلقية؟! ٧
وإذا كان هذا الإيثار في حال الخصاصة، والحاجة إلى ما يؤثر به فما هي قيمة كلمة ناصحة به بإزائه؟!
... وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ... ٨.
وعن الإمام عليّ عليه السلام في الحِكَم المنسوبة إليه:" من لم يصلح خلائقه، لم ينفع النّاس تأديبُه" ٩.
والمؤمن يقتدي بمن هو فوقه إيمانًا وفكرًا وعملًا، كما يُقتدى به، وكلُّ من له حُسْنُ دين وخلق، وصفةٌ من صفات الخير كان في المؤمنين محَلَّ قدوة لمن افتقد ذلك، أو كان الأوّل أكمل منه فيه. فكلٌّ متّخذٌ من أخيه قدوة في ما يسبقه أخوه فيه من صفة كمال ١٠. وقد يقتدي بك صاحبُك في صفة كريمة أنت أغنى بها، وتقتدي به في صفة كريمة أخرى هو أكثر توفّرًا عليها ١١.
وقد تجد شخصيّة لها كمالات معنوية كبيرة كثيرة درسًا لها تحتاجه، وموردًا مهمًّا من موارد الاقتداء المربي النافع في شخصيه مغمورة لا تلحظها العيون.
فكم من خُلُقٍ كريم، ودرس في الصّبر الجميل لا تكاد تجد مثله وتجده في من لا ذكر له في الذاكرين!!!! ١٢