محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٠ - الخطبة الثانية
الاعتصام في المنطقة الفلانية وإنْ لم يُعطّل المصالح العامة ممنوع قانونًا أو بقرار، تسيير مسيرة سلميّة في العاصمة ممنوع، كلامُ السّياسة في بعض المساجد ممنوع، الاجتماع للصّلاة في أوقاتٍ مختارة ممنوع، تشييع شهيدٍ في المنطقة الفلانية ممنوع، دفن شهيد لابد أن يكون في المكان الفلاني وغيره ممنوع.
وهكذا يمتدّ المنع ويتوسّع حتى يُغطيَ جُلَّ مساحة الحياة، ويسدّ المنافذ، ويسلبَ الهامش الضئيل من الحرية، ويُضيّق الأنفاس، ويشتدّ الضغط من غير حساب. ولكون الصّبر ينفذ حسب الطبيعة البشريّة عند سدّ كلِّ المنافذ، وأنّ النّاس يحاولون المستحيل للقفز على الحواجز لو أُغلقت عليهم كلّ الممرّات حتى لو توقّعوا أنهم بذلك يخسرون الحياة حيث إنَّ في ذلك فيما يرون المحاولة الأخيرة للاحتفاظ بالحياة كان من أخطر الخطر أن تسدَّ على النّاس كلّ المنافذ.
إنّ كثرة المنع تهدم المنع، وشدّة التضييق تدفع لكسر الطوق والتمرُّد على الواقع.
من العقل جدًّا أن لا تسدّ كلّ المنافذ، أن لا تضيق السّبل إلى الحدّ الذي لا يطاق [١].
هناك واقع فوق الطاقة، وواقع لا يمتنع عليها ولكنّه يُمثِّل حالةً حرجية تضيق بها الصدور، وقد راعى الدين الحقّ أن لا تكون تكاليفه فوق الطاقة البشرية، وأن لا تتسم
[١]- الله عزّ وجلّ حرّم ما بطن من الإثم وما ظهر، ولم يُحرّم غيره، ومع ذلك العاصون أضعاف الأضعاف من المطيعين لأمر الله عز وجل، فكيف بي وأنا البشر إذا لم أبق مساحة من المباح؟! وتوسّعت في قانون المحرّم حتى غطّى مساحة الحياة أو جُلّها، فهل أرتقب أن أُطاع؟!