محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٤ - الخطبة الأولى
سبيلها لابُدَّ أن تكون قوية طاغية مجنونة لا يُوقِفها شيء إلّا ما يُهدِّد بوضع نهاية لحياة المتخلّي عن فكرة الآخرة، وخسارتها.
ولابد أن يَلُفَّ اليأس حياة من لا يؤمن باليوم الآخر، وتضغط عليه الأوضاع في حياته الدنيا ويُغلِّفها مما قد يدفع إلى التأزّمات النفسية الحادَّة والانتحار. ومِثْلُه من عاش حياة مترفة، وشغله همّ المستقبل البعيد الذي لا ينتظره فيه حَسْبَ رؤيته إلّا العدم المطلق، وضياع كلّ الفرص، وتبخُّر كلّ الآمال.
ونَظَرُ الإنسان إلى نفسه بأنّه من مستوى الحيوان ٣ إلا فيما يمتاز به من قدرة على التفكير الذي يعينه على مواجهة مشاكل المادّة، والتخلص منها، وطلب حياة دنيوية أكثر مِتعة وترفًا وبذخًا، وإلى أنَّ قضية القيم والأخلاق والتديُّن إنما هي خرافة يسوقه إلى مسار ماديٍّ صِرْف لا يعرف فيه إلّا اللذة المادية، ولا يُقدّس إلا الشّهوة، ولا يسعى إلّا لجمع المال من أيّ وجه، وبأيّ حيلة، وأيّ ثمن.
والناظر إلى نفسه من الناس أنه في موقع السّيادة المطلقة ٤، وأنَّ له الحرية المفتوحة التي لا قيد عليها، ولا حدّ لها ٥ ينطلق ليفعل ما يشاء مما يقدر عليه حسب هوى النفس ومشتهياتها وإن ظَلَمَ الملايين، وأشقى حياتهم، وسَحَقَ من سحق، ودمّر من دمّر، وصادر ما في يد الآخرين مما لا حياة لهم بدونه. وللمؤمن بالقيمة العالية للإنسان وكرامته وحرّيته في حدود مالكية الله المطلقة له ولكلِّ شيء آخر في الكون مسارٌ آخرُ في الحياة يتناسب مع النظرة المحترمة للنفس، والوظيفة التي تنسجم مع مستواها، والغاية المؤهّل لها، وقِمّة الكمال الممكن لهذه النفس، والذي عليها أن تجاهد من أجله، وتستفيد من كل طاقاتها وفرصها للوصول إليه.
نظرة الإنسان لنفسه هذه النظرةَ لا تسمح له بأن يسقط قدرًا، أن تستعبده شهوة، أن تملكه رغبة من الرَّغبات المادية، أن يعبُدَ غير الله سبحانه، أن يفقد إرادته أمام طاغوتية