محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٣ - الخطبة الأولى
تَرُدّ أمر الخلق والرزق والتدبير والحاكمية المهيمنة على كلّ شيء لله الواحد الأحد والكامل المطلق والحيّ الذي لا يموت؛ إذ تشدّ هذه النظرة صاحبها إلى المسار الجدّيّ الهادف، وتربطه بغاية الرِّضا الإلهي الذي تضعه على طريق طلب الكمال، وإنفاد العُمْر في بناء الذّات الصّالحة المرضيّة للربّ تبارك وتعالى.
ونظرٌ يؤمن بالآخرة، ويُعطيها قيمة غائية فوق قيمة الحياة لابُد أن يُدخلها في منهج الحياة للإنسان ويُعطيها أهميته الكبرى، ويُوفّق ما بينها وبين ما يتطلّبه بقاؤه على الأرض في مُدّته المحدودة، وتقضي به حاجاته، وما يُعطي الرَّاحة في الحياة على أن يكون التركيز على الإعداد للآخرة.
ولو كان النظر هو أنَّ الآخرة فِكرةٌ من أفكار الخيال، ووسيلة من وسائل التخدير للمستضعفين، وقَتْلِ الوعي الثّوري على المستكبرين وواقع الاستئثار والتحكُّم والاستعباد، والتعويض النفسي عن الآلام بالآخرة كما يُسوِّق هذا النظر المنكرون للآخرة وإن كان ذلك خلافًا لما تقضي به فكرة الآخرة من مقاومة الاستئثار والظلم والاستعباد، وتدفع إليه من المطالبة بالحقّ والعدل ومقاومة الطاغوتية والاستكبار في الأرض، والمواجهة الشَّديدة للانحراف التي يُصرّ عليها الدّين ... لو كان النظر هو أنَّ الآخرة فكرة سلبية مخدِّرة تُعين على تمكين الظّالمين، وتُقنع المؤمنين بها على الصّبر على كل آلام الحياة وأذى المستكبرين، وتُعطِّل فكرة الثورية والتغيير والمقاومة لألوان البغي والانحراف لكان المؤمن بفكرة الآخرة مشلولًا في هذه الحياة ١، آخذًا بمسار الإهمال لشأنها، معطِّلًا لحركة الإعمار فيها، منصرفًا عنها كلّ الانصراف إلّا ما قضت به الضرورة للحفاظ على أصل البقاء فيها ولو عند مستوى أدنى الدرجات.
أمّا من لا يؤمن باليوم الآخر ٢، ولا يرى له فرصة للحياة والتمتع باللذة إلا في هذه الحياة فإنَّ اندفاعته في اتجاه طلب اللذة فيها، والحفاظ عليها، والتضحية بكلِّ شيء في