محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٥ - الخطبة الأولى
طاغوت، واستكبار مستكبر، أو يتنازل عن طريق الكمال الذّاتيّ، والمجد المعنوي الذي يؤمن بأنه مؤهّل له، وفيه غايته، وأن تذهبَ حياته هدرًا رخيصةً على مذبح الشّهوات السّاقطة، ولذّات الحياة العابرة، وتُستهلك في النزاعات الدنيوية التافهة، ومواقع الشّهرة الزائفة، والسلطان الظالم الذي لا يبقي من دين الإنسان، ولا إنسانيته.
هذه النظرة تجعل حياة الإنسان جِدًّا، وبناءً، وإعمارًا ونفعًا عامًّا، ونورًا هاديًا، وحركة نامية، وعطاءً ثرًّا، وصعودًا متّصِلا. يجعلها محقّقة للكمال، ومُفضية للنجاح.
وإنه لَيُطلب في النظرة التي تقوم عليها الحياة، وتقود حركة الحياة، ويتحدّد في ضوئها مسار الإنسان، وتتفجّر طاقاتُه، وتتثبّت غايته أن تكون نظرةً كريمةً راقيةً تعرف للإنسانية قدرها، ولمقام الإنسان شأنه على أن لا تكون ضربًا من ضروب الخيال، ولا لونًا من ألوان الوهم الذي يتجاوز بالإنسان حدود إنسانيته، ويرتفع به عن مستوى أُفُقِه، ويضفي عليه صفةالألوهية التي ليست له، ويُقنعِه بالحرية التي فوق مقدوره، وأنه الموجود الطليق من كلِّ قيدٍ يُقيّد حركته، وضابطة تضع حدًّا لحريته؛ فإنّ الخيال لا يقوى على مواجهة الواقع ٦، والوهم لا يمكن أن يصمد أمام الحقيقة ويُكابرها، والغلبة دائمًا للحقيقة، وبناء الحياة على النظرة الواهمة يُغرقها في المأساة، وينقطع بها عن غايتها.
وعلينا أن نبحث عن النظرة الكريمة الرَّاقية والواقعيّة كذلك للإنسان. وهذا ما يأتي في حديث قادم إن شاء الله.
اللهم صلّ وسلّم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم.
اللهم اجعل حياتنا لما خلقتنا له، وبلّغنا الغاية التي ارتضيتها لعبادك الصالحين، وارزقنا العاقبة الحميدة التي أنهيت عبادك الصالحين إليها، وآونا إلى الجنّة التي وعدتهم إياها برحمتك يا أرحم الراحمين.