محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٤ - الخطبة الأولى
الأمانة:
الأمانة والأمن والأمان مصادر وهي تعني اطمئنان القلب وسكونه، وسمي الأمين أمينا من جهة حفاظه وتعهُّده ورعايته لما تحمّل من مسؤولية، وعُهد إليه من وظيفة، أو أودع من شيء مما يجعل القلب يطمئن إليه، ويأمن على ما وضع في عهدته.
وما أودعته الآخر، أو وُضع في مسؤوليته فهو أمانة عنده.
والأمانة أصل لا ينحفظ الكون، ولا المجتمع إلا به، ولو أُخِذَ بالخيانة قاعدةً عامةً في مجتمع النّاس بدل الأمانة لما مكثت حياة المجتمعات إلا قليلا؛ فبناء النّاس جميعا على أن يخونَ بعضهم بعضا في كل الأمور والمعاملات والمواقف يهدم كل شيء من أمور الاجتماع، ويُقوضُ الثقة بصورة شاملة، ويصيب بالضرر البالغ القاتل كلَ الأطراف، وينسفَ الحالة الاجتماعية نسفا جذريا عاجلا ١.
وعلى المستوى الكوني العام لو أعطيت الكواكب والنجوم والمجرات قدرة الاختيار فاتجهت إرادتها للخروج على مساراتها، والاخلالِ بوظائفها، وخيانة مسؤليتها لتحطم كوننا المادي، وانتهت عمارته في الأقل من لمح البصر.
وللأهمية الموضوعية البالغة للأمانة وضرورتها في بناء المجتمع، واستمراره، وبقاء الحياة شدد الإسلام في الأخذ بها، وعدم التسامح بشأنها وإن تعلقت بالشيء اليسير، وإن يكون المؤتمن من كان إذا لم تكن الأمانة في واقعها خيانة كما في الحفاظ على أسرار الظالم حتى يتحقق ظلمه ٢.
وليكن الكلام في الموضوع تحت بعض العناونين:
الأمانة واجب شرعي:
في الكتاب الكريم،" إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً" ٣.