محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٨ - الخطبة الأولى
عبادَ الله إنَّ للإنسان حياةَ بدن، وحياةَ قلب، وهو مسؤولٌ عن الحفاظ على حياته كُلِّها، وهو بحياة قلبه أكبرُ منه بحياة بدنه، وإنّما كانت الثّانية من أجل الأُولى، ولِتُصرَف في تنمية حياةِ القلب ليزداد معرفةً بالحقّ، وعِشقًا لله، وتعلُّقًا به، وانشدادًا إليه، وخضوعًا له، واشتغالًا بذكره، وتلذُّذًا بمناجاته مما يسمو به، ويمدّه بالنّور، والهدى، ويُربّي فيه ملكاتِ الخير، ويُكسِبه الجمالَ، ويوفّر له السّعادة.
فإذا كانت حياةُ الأبدان غاليةً فحياة القلوب أغلى، وإذا وجب الحفاظ على الأُولى كان الحفاظ على الثانية أوجب، وإذا كان للأولى أهمية، فأهمّية حياة القلب أعظم. وما سيبقى للإنسان إنَّما هي حياة قلبه، أمَّا حياة الأبدان فتزول.
والحفاظ على حياة القلب، وتنميتها وتزكيتها ورقيّها ورشدها وهداها لا سبيل له إلّا بتقوى الله والأخذ بطاعته، والتزام منهجه، والاقتباس من نور هُداه.
اللهم إنّا نعوذ بك من أن تسكُنَ قلوبُنا ظلمة، أو يغشاها سواد، أو يجدَ فيها ضلالٌ له مستقرًّا، أو إليها منفذًا وسبيلًا.
أعِذنا ربّنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من كلِّ ذلك، واغفر لنا ولهم ولوالدينا، وأرحامنا، وأزواجنا، وأصدقائنا، وأهل الفضل علينا ممن علّمنا علمًا نافعًا وأَرْشَدَنا إلى خير من مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة يا أرحم الرَّاحمين، وأكرم الأكرمين.
أما بعد أيّها الإخوة والأخوات في الله فالحديث في موضوعٍ عنوانه:
الرّاحة والرّضا:
للبدن صحّةٌ وسقم، وراحةٌ وتعب، ومن راحة البدن ما ينقلب سوءًا ومرضًا، ويُكسب النَّفسَ سآمة ومللًا، ويكون مضيعةً للحياة.
وإنما تحسن راحة البدن بعد تعبه، وحين تكون بمقدار، وإذا طالت أضرّت بالشّعور، وبه معًا، وسبَّبت الكآبة.