محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٠ - الخطبة الأولى
اللهم إغفر لنا ولوالدينا ولأرحامنا وقراباتنا وجيراننا ومن علّمنا علماً نافعاً من مؤمن ومؤمنة ولجيع المؤمنين والمؤمنات، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فعنوان هذا الحديث:
حياتنا بين الروح والبدن:
قضيّةٌ لا تلتبس على عقل عاقل، ولا تغيب على وجدانه؛ وهي أنَّ الإنسان مادَّة وروح، وأُخرى أنَّ روحه وروح الحيوان ليستا سواء. له روح تفارق روح الحيوان وتسمو عليها أيّ سمو، وتتمتع عنها بأفق بعيد. روح تجعله دَرَّاكاً، منتِجاً لفكر جديد يصوغ به حياته صوغاً بعد صوغ، ويُطوّر أوضاعها تطويراً بعد تطوير يجعله بعيد النَّظر، له نظرة طويلة للماضي، وأخرى مديدة للمستقبل؛ كلٌّ منهما تتجاوز به حدود مكانه وزمانه، وتخترق حجب المادة كلَّها.
روح تغنى بأشواق المجد والعظمة والسّموِّ والخلود، ولا تقف به عند حدٍّ من طلب الكمال، فلا يصدر كلُّ نشاطه من منطلق ضرورات حياته كما هو شأن الحيوان، بل كلّ تاريخه يشهد بأنَّ له نشاطاً من نوع آخر من وحي أشواقه وتعلّقه بقضيّة الكمال.
وحياة الإنسانية تشهد نوعين من الآمال والآلام، والمآسي والأفراح، والانتصارات والهزائم، والأهداف والتطلعات، واللّذة والمرارة؛ منها ما يرجع إلى جانب المادة من جود الإنسان، ومنها ما يرجع إلى جانب الرّوح.
وفكر الإسلام على هذا، ومنهجه في قيادة حركة الحياة على يد الإنسان، وتربيته لإنسانيته فكرُها هذا الفكر، وهو منطلقها، والمحدِّد لخياراتها.
والعناية في الإسلام لكلِّ شيء بقدر أهميته، ولا إنقاص لشيء عمّا يستحقّه، ولا تجاوز به عن حدّه. ولحياة البدن قيمة عالية في الإسلام، ولكنها لا تُجاري حياة الروح