محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٧ - الخطبة الأولى
أما بعد أيّها الإخوة المؤمنون والمؤمنات الأعزّاء والأحبّة في الله:
فإنّ للإنسان عُمُرًا يجهله، وعند الله علمُه وتقديره. وقد يكون من عمر الإنسان المقدَّر عند ربّه ما يطول بتقدير الله بالوقاية وعمل الحسنة، أو يقصر بالإهمال وإتيان السيئة. وكلُّ ذلك بمقدار.
ومنه ما هو محتوم لا يتقدّم ولا يتأخّر، ولا تفعل فيه الأسباب.
وكلّ ما مُلِّك الإنسان من أسباب نُجْحٍ وكمال وعاقبة حميدة إنما مداه مدى العمر، ولا يتجاوزه؛ فالعمر على هذا هو كلّ شيء في الأصل في وجود الإنسان، فإن ضيّعه ضاع، وإن أساء استعماله لم يكتسب إلّا سوءًا، وإن أجاد استثماره بَلَغَ الغاية.
ولا يُستثمر العمرُ الاستثمار الصالح إلا بعبادة الله وطاعته، والأخذ بمنهج الحياة الذي رضيه لعباده.
وكلُّ العمر لحظاتٌ يعقُب بعضها بعضًا، ولا عودة لأيّ لحظة تمضي منها، وكلُّ لحظة تنقضي من عمر التكليف لا تخرج عن ثلاث: لحظة ضاعت مع الفراغ، ولحظة عُبِّئت إثمًا وشرًّا، ولحظة زانها جميل الطّاعة، وعظيم المثوبة.
ولنسمع نصوص القرآن والسنة وهي تتحدث لنا في موضوع العمر:
وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ١.
فليس من أحدٍ إلا وعمره معلوم عند الله الذي لا يُخطئ علمه، ولا يقبل تحويلًا ولا تبديلًا، والأعمارُ كلّها مملوكة لله وحده لا لأحدٍ من خلقه.
وتُثير النصوص الإحساس العميق بأهمية الوقت، وضرورة توظيفه على طريق الغاية التي كانت من أجلها الحياة ولا غاية للحياة إلا كمالُ الإنسان، وسعادتُه الأبدية، ولا طريق لهذه الغاية إلّا عبادة الله وطاعته.