محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٣ - الخطبة الأولى
ومنه كذلك الكفر بِنِعَمِه بترك شكرها، ووضعها في غير موضعها، وربما نسبها الإنسان إلى غير المتفضّل بها.
وهذا الكفر ظلم عظيم يوقع الإنسان في التعامل السّيء مع من لا يُطيق ردَّ أمر من أمره، أو يملك تعطيل قَدَرٍ من قَدَرِه، أو يتحمّل شديد عقابه وأليم عذابه.
ففي هذا الكفر هلاك الإنسان وخسارته وشقاؤه، فإنْ بقيَ مع هذا الوصف، وأقام حياته عليه تمّت شِقوَتُه.
الطغيان:
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ٨.
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ٩.
لَكَمْ تُؤثِّر الظروف على نفسية الإنسان، وتنحرف بها، ولَكَمْ تفسد عقله، وتفقده توازن تفكيره.
وكثيرًا ما تلعب به ظروف السَّعة والضّيق، والرَّخاء والشدة، وتسلبه الانضباط، وتذهب بتفكيره بعيدًا عن الصَّواب، وتنأى به عن الهُدى في الرّأي والشعور النأيَ كلّه.
يستغني فينسى أنّ غناه ليس من نفسه، ويدخله من الشعور ما يَعمي بصيرته، ويُوقعه في غرور ليس فوقه غرور.
يُطغيه غناه إلى حدٍّ مفرط، ويتجاوز به إلى أقصى خيال من العظمة الموهومة فيتراءى له أنّه خرج عن حدِّ الحاجة لله سبحانه، والاستغناء عنه، وصار له أن يستقلّ عن ربّه سبحانه تمام الاستقلال، ويعتمد على نفسه.