محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٣ - الخطبة الأولى
ومن رؤية الإسلام للإنسان ومكانته في الخلق ما تذكره الآية الكريمة الآتية: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٤.
وعن الإمام زين العابدين عليه السلام:" الحمد لله الذي اختار لنا محاسن الخَلْق، وأجرى علينا طيّبات الرِّزْق، وجعل لنا الفضيلة بالملكة على جميع الخلق، فكلُّ خليقته منقادة بقدرته، وصائرة إلى طاعتنا بعزّته" ٥.
وللإنسان انتفاع بالأشياء يصله منها بلا إعمال سلطنة منه عليها، ولا تصرُّفٍ إراديٍّ منها كاستفادة جسمه من أشعّة الشمس، واستفادته من الأكسجين الذي تعتمد عليه حياته ٦.
وهناك ما هو فوق ذلك من التصرُّف في الأشياء ومطاوعتها لإرادته، واستجابتها لسلطانه، وانقيادها لأمره فالضّخم من الحيوانات ينقاد لإرادة الإنسان، ويدخل تحت سلطنته بفعل عقله، وما يُعطيه من قدرة الهيمنة عليه وقهره، والنبات والجماد يهيمن عليهما الإنسان وينقلهما من مكان إلى مكان، ومن وضع إلى وضع، ومن صورة إلى صورة، ومن تركيب إلى آخر، ومن واقع إلى ثان. فكلُّ شيء من ذلك مأمور له، مستجيبٌ لإرادته، داخل في طاعته بإذن ربّه، وتحت سلطانه، وبتسخير منه.
فهو السيّد المطاع لهذه الأشياء بإذن الله، والعبدُ الذي عليه أن يُطيع خالقَه وخالقَ كلِّ شيء ما عداه مما سخّره له، وكلِّ شيء مما يصله علمه أو لا يصله.
ومما يُعطي مكانة عالية للإنسان في رؤية الإسلام له ما تنطوي عليه هذه الرؤية من غاية لخلقه، والتي تتمثّل في معرفة الله عزّ وجلّ معرفة واعية، واستكمال ذاته عن طريق