محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠١ - الخطبة الأولى
رؤية الإسلام للإنسان تتوفّر على الرُّقيّ والواقعية، فهي أكرمُ رؤية للإنسان لا تخرج به عن حدِّه، ولا تُغرِقه في الخداع الكاذب، وهي تُريه نفسَه وواقعَه، وقوّته وضعفه من غير أن تبخسَه قيمته، أو تُحابيَه فتخدعه.
تقدّم أنَّ الإنسان في النظرة الإسلاميَّة مخلوقٌ كريم، فضّله ربُّه على كثير ممن خَلَقَ، وتكريمُه وتفضيلُه في جانب ما أُعطي من نِعَمٍ معنوية ونِعَمٍ مادية فقد أُعطي العقل والإرادة وكُرِّم بهما، وأُعطي امتيازات في خلقته المادّية، وقدرته على التفنّن في طرق إعداده لأكله وشربه ومسكنه وملبسه، والكثير من نواحي حياته.
وكلُّ ذلك من ناحية النِّعَم المفاضة عليه من ربّه، والاستعدادات التي توفَّر عليها في خلقته.
أمّا من حيث النتيجةُ لسعيه، وما تنتهي إليه حياته، ويصير إليه مصيره من كمال أو نقص، ورفعة أو خسّة، وشرف أو وضاعة، وسعادة أو شقاء، ونعيم أو عذاب فيتبع نوع تعامله مع النعم الإلاهية المفاضة عليه، والمنهج الرباني الذي فيه كمالُه، وسعادته ١.
فإساءته في استعمال النِّعَم، ووضعها في غير ما كانت له مما فيه صلاحُه، وخروجه على منهج الله الذي فيه بناؤه الصّحيح ورقيّه يُسبّب له الانحطاط والخسّة والانحدار حتّى عن مستوى البهائم.
وذلك على عكس ما لو أحسن التعامل مع نَعم ربّه، وأخذ بمنهجه سبحانه المعدّ لتربيته وقيادة حياته، والارتفاع بمستواه، فإنه سينتهي إلى كمالٍ يُرضيه ويُسعده، ويتجاوز به مستوى الملائكة كما في رأيٍ الكثير من علماء الإسلام، وكما عليه الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام كما تقدّم.
ومن الرؤية الإسلاميّة للإنسان أنَّ الله سبحانه خَلَقَ له ما في الأرض جميعًا، لنفعه وتربيته واستمرار حياته إلى الأجل المكتوب له، وإعداده، وتنمية إدراكاته، ومعرفته،