محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٨ - الخطبة الأولى
فأوّل ما يُقصد لإنقاذ حياة الإنسان من الوضاعة والعبثية والضّياع، ولتجنيب البشريّة شرّ الاحتراب والاقتتال أن يسموَ الهدف ويتجاوز مادّيات الحياة، ويُثير في الإنسان رغبةَ الكمال، ويأخذ به على طريقه، ويشعره بالنموّ الصالح، وتقدّم المستوى، والرّقي في الذات كُلّما خطى خطوة على هذا الطريق.
ومع التركُّز الفكريّ لهذا الهدف، واحتضان النفس له، واستقطابه لها تتولد الهمّة العالية التي تعين على الحركة في اتجاهه، وتُعطي الصبر والتحمّل لبذل الجهد الكبير الذي تتطلّبه.
إنَّ الهدف الكبير عندما تتشرّب بحبَّه النفس ويصدق شوقها إليه يرتفع بمستواها، وتسترخص ما دونه، ويسهُل عليها الصّعب في سبيله، وتستوحش من الانحدار، ولا ترضى عن الصّعود بالتوقُّف لحظة أبداً.
فأوّل الطريق إلى الكمال أن نؤمن بالهدف الكبير، ويملك علينا مشاعرنا، ويصدق عِشْقُنا إليه، وأوّل الانحدار أن يكون لنا هدف من الأهداف الصغيرة الحقيرة.
والقِممُ البشرية التي غَدَت أمثلة للإنسانية الرفيعة ولم يخفِت على طول المدى لها إشعاعٌ ما صنعها إلّا الانشداد القوي والتعلُّق الكامل بالهدف العظيم.
ما صنع تلك القِمم الشّاهقة إلا عِشقها لله، طلبها رضاه، سعيُها إليه، أخذها بمنهجه، تفانيها في سبيله.
ولا يبلغ هدفٌ سموَّ هدف الرّضا الإلهي والقرب من الله، وكلُّ الأهداف الكبيرة، والطّاهرة والبنّاءة والتي تُمثّل كمالًا للإنسان تنضوي تحت هذا الهدف الأسمى وتقع على طريقه، وتؤدّي إليه.
وما خالفه من الأهداف لا يُمثّل إلّا ضياعاً وسقوطاً وخسارة، وعاقبةَ سوء، وسوءَ مصير.