محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٢ - الخطبة الثانية
السياسة التي تُخلف وعدها المرَّة بعد المرَّة لابد أن تُسقِط الثِّقة بها في نفس الشعب، ولا يُؤخذ بشيء من وعودها.
فهل تُدرك السياسة كلَّ هذا وتتعمده؟!
أن تجهله غرابتُه شديدة، وأن تتعمّده غرابته أشد لأنه لا يُضرّ بالشعب وحده.
ضرره بالغ بالشّعب، وبها، وبالأرض التي تُقيم حكمها عليها.
سياسة من هذا النوع وهذا قصدها مَحرقة لكلِّ شيء، وشقاء دائم لكل الأطراف.
ما الحل؟ ماذا يُنهي صراعًا يقوم على هذه الخلفية الصَّعبة؟ على هذه المفارقة الشاسعة؟
هناك صورة للحل تُنقذ الجميع، وتؤتي ثمارًا طيّبة فضلًا عن إنهائها للصراع المرير. ذلك أن تعدل السياسة كلّيًا عن خطّها المعادي للشّعب، وتعترف به، وتستند إليه، وتكون إرادتها من إرادته، وهمُّها تحقيق مصالحه.
وكم من سياسة في الدُّنيا اليوم مستعِدّة أن تفعل ذلك؟! لكن لئن ندر هذا الاستعداد حتى كاد يلحق بالعدم فإن مسافة التباعد بين الحكومات والشعوب تتفاوت بتفاوت الحكومات.
وصورة أخرى تُنهي الصراع، ولكنها تتراجع بالمجتمع والوطن إلى غابر التاريخ الأسود، بل إلى مستوى حياة الحيوان، وذلك بأن يتنازل الشعب عن حرّيته وكرامته، وكلّ حقوقه، حتى حقّ اللقمة، ويُسلِّم أمر التصرّف في النفس والمال والحاضر والمصير إلى جهة واحدة معينة اسمها السلطة ٢٠.
بهذا الإقرار لا يبقى موضوع للصّراع لأن الميّت لا يُصارع، ولا يملك لسانًا يُطالب به عن شيء اسمه حقّ، بل إنّه لا يُدرك أنَّ له حقًّا.
لا فصل بين أمرين: