محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤١ - الخطبة الأولى
ويُلفته النظر المدقِّق، والقلب الواعي إلى أن سَكَنَة هذه البيوت على تباعدها الهائل في الاستطالة واللصوق، والضيق والسعة، والجمال والقبح كلّهم يصحّون ويمرضون، ويفرحون ويحزنون، ويأملون وييأسون، ويقهرهم قَدَر الموت، وتضمّهم في الأخير القبور.
وأنَّ من هذه البيوت ما يسود أهله الوفاق وإن كان لا يبعث على السّرور، وآخر يقطنه الخلاف والتمزُّق وتبادل الشّكوك وإن كان ينال كلَّ الإعجاب، وأنَّ بعضها على تواضعه ملء نفوس أهله الرِّضا، وآخر على استطالته يأكل السّخط قلوب من فيه ويعصف بها.
إنَّ صاحب النظر النافذ المدقِّق والقلب النبيه لَيُدرك أنَّ واجهات البيوت وتفاوتها المادي ليس فرقًا جوهريًّا بين الناس، وأن الفرق الجوهري في القلوب وقيمة الذات، ومحتوى النفس، ودقّة النظرة للحياة وما بعد الحياة، وأنَّ السعادة لا يُبحث عنها في تكديس المادة، وبذخ المظهر، وتراكم المال وسَرَفه.
صحيح أنَّ الحياة يُعكّر جوّها ضيق المال، وفَقْد حيلة العيش المعتدل، ولكنَّ المادة الواسعة وزيادة الترف بلا روحٍ حيّة كريمة، وأمل كبير يمتدُّ لما بعد هذه الحياة، ويجد فرصةً من زكاة النفس وطُهرها وكمالها لتحقيقه لا يُمكن أن تُحقِّق السعادة حتّى في هذه الحياة، وربما أشقَتْ أهلها أكثر مما يشقى بالفقر أهلُه. ولك أن تُطالع الحياة لتمدّك بهذه النماذج ٢.
وعليك أن تتذكّر أنَّ ناطحات من ناطحات السَّحاب يسكنها شياطين تفزع لمخبرهم القلوب، وينشرون في الأرض الظلم والرُّعب والشقاء، وأنَّ أكواخًا وما بمستوى الأكواخ من بيوت أخرى قد تسكنها ملائكة في صورة بشر تحتاجهم الأرض لتنزّل رحمة الله عليها، ولا يصدر منهم إلّا ما فيه لها الحياة، وللنّاس الخير والهدى والبركات.
هذا تفاوت في عطاء هذين النوعين من النظر لشيء واحد من بين ملايين الأشياء والحوادث التي يُعايشها النّاس في الأرض وكلّها تتفاوت في عطائها حسب نوع النظر ٣.