محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٠ - الخطبة الأولى
وإذا وقفنا أمام مظهر من مظاهر الحياة، أمام حدث من الأحداث، مُتغيِّر من المتغيرات، أمام ما يُثير الفرح أو الحزن أو الدّهشة والإعجاب فلنقفْ أمامه بعقولنا وقلوبنا لا بمجرّد العاطفة والانفعال، والارتجالية السّاذجة.
والوقوف عند سطح الأشياء له مردود، والنفاذ إلى عمقها له مردود آخر، واللؤلؤ الأخّاذ دائمًا في الأعماق، وحقائق الأمور تحتاج إلى غوصٍ لمسافات بعيدة.
يمرّ أحدنا بالبيوت فيُلفِته تفاوتها ضخامة ووضاعة، وبَذَخًا ومسكنة، وسعة وضيقًا، ومتانة ووهنًا، وجمالًا وغير جمال.
وقد يبقى عند هذا الحدِّ فيستولي عليه ذكرُ المظهر، ويستقطبه اللون والشّكل وجمال المرأى، وتسحره مناظر الترف، وتملكه صورةٌ لبيت، ويشتريه منظره، فيسعى كل حياته، ويعطي كلّ الجهد، ويُسخر كلّ الإمكانات والفرص من أجل تحقيق الحُلُم الكبير الذي تعلّق بتلك الصورة، وانشدّ إلى ذلك المنظر، ليخرج من الحياة من بعد ذلك وقد ضاعت عليه الحياة من غير أن يُحقّق أمله، أو يخرج منها وقد تحققت له الأمنية الصغيرة التي لا تساوي شيئًا من قيمة الحياة، ولا يمكن أن يرضاها العقل هدفًا لها.
وقد يمر آخر بالبيوت فيرى منها كلّ ما رأى صاحبه وأكثر مما رأى من جمال، وبذخ، وروعة وزينة، ولكنَّ نفاذ نظره إلى العمق يريه شيئًا آخر، ويفهمه شيئًا آخر، ويقف به على حقيقة أهمّ.
البيوت بمنظرها المتفاوت أَرتِ الأوّلَ غنى وفقرًا، سعة حال وضيق حال.
ونافذ النظرة إليها تريه نظرته ما قد يكون عليه تفاوتها الفاحش من اضطراب في موازين العدل الاقتصادي في المجتمع، وتوزيع الموارد الطبيعية، وناتج الثروة، ومن أَثَرَةٍ وجشع وسرقة مبطّنة وجور في القوانين، وشراء ذِمَمٍ يشهد به هذا التفاوت فيُحرِّكه ذلك إلى أن يطلق صرخة في مجتمعه وأمته تُطالب بالعدالة.