محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٣ - الخطبة الثانية
والفرق جليٌّ بين الإثنين. التفاوض وهو عنوانٌ ترفضه السُّلطةُ لعدم أهليةٍ في الشعب- كما ترى- أو الحوار تبادلٌ في الرأي، وتعاطٍ على مستوى الكلمة في جوٍّ من الاحترام بحثًا عمّا هو أقرب إلى الحقّ والعدل والصلاح، وأقدر على تحقيق الحلّ الناجح للمشكل الفكريّ أو العمليّ، والخروج من الحيرة والتردُّد والاضطراب إلى الوضوح والاستقرار في الرؤية والموقف، ومن الخطأ إلى الصّواب.
أمّا أن تكون مجالدة ومنازلة شرسة على مستوى الكلمة والرّأي بين حقٍّ وباطل، وخطأ وصواب ويقف كلُّ طرف عند رأيه وموقفه، وحقِّه أو باطله ليكون هو المنتصر وهو الظّاهر فذلك هو الصِّراع البعيدُ كلَّ البُعد عن حقيقة التفاوض والحوار.
أمّا أن يكون عنوانان متقابلان عناد لحقٍّ وعناد لباطل، مكابرة لخطأ ومكابرة لصواب، تخندق شديد لضارٍّ، وتخندق شديد لنافع فهي حربٌ وإن كانت من حرب الكلام، ولكن كثيرًا ما تتسبّب حروب الكلام في كوارث لا طاقة للأوطان والشعوب والأمم بها.
وهنا خشيةٌ جديَّة مما يجري من صراع بين الجهتين تحت قبّة ما يُسمّى بالحوار من أن يسيء إلى الوطن إساءة بالغة، ويزيد في درجة الالتهاب، ويُفاقم من الأزمة بدل أن يؤدي إلى إنهائها أو تخفيفها بما يؤدي إليه من مستوى الإثارة والشَّحن والاحتقان، ويُفعِّله من تأجيج روح الفرقة والتمزُّق والبغضاء والعداوة.
المواقف داخل ما يُسمّى بالحوار تزداد في درجة التشنُّج، اللغة تشتدّ قساوة، تباعُد الثِّقة في توسّع، الاتهامات تتصاعد، التخندق يقوى. وكلُّ ذلك يُغذِّي الساحة العامة للوطن بما يُلهب أجواءها ويقضي على فرص اللقاء والحلّ، ويُباعد بين الوطن وبين شاطئ الأمان الذي يحتاجه كلُّه وكلّ من فيه، وما فيه من شيء يجب الحفاظ عليه.