محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٢ - الخطبة الأولى
اللهم اجعلنا من أصدق وأخلص أهل طاعتك، وعبادتك، وتقواك، ومحبتك، وأطلَبِهم لرضوانك، وأشدّهم تمسُّكًا بِعُرى دينك، والسُّبُل المنيرة السّالكة إليك، المقرّبة منك يا رحمان، يا رحيم، يا كريم.
أمَّا بعد أيّها الأعزّاء من المؤمنين والمؤمنات فإلى حديث بعنوان:
الإنسان بين أكثر من نظرة:
لحياة الإنسان مساران: مسار تكويني مكتوب عليه، ولا دخل له فيه، وهو جارٍ في نظامه خارجَ إرادته، ورغمًا عليه، وضوابطه وقوانينه ليست من وضعه ومشتهاه. من ذلك نظام العمل في دورته الدَّموية، وجهازه التنفُّسي، وجهازه الهضمي، وعمل عقله، وإحساس نفسه.
والمسار الثاني لحياة الإنسان مسار اختياريٌّ داخل في إطار قراره واختياره، فله أن يُقرِّر أن يجعل حياته لهوًا ولَعِبًا، كما لَهُ القدرة أن يجعلها جدًّا وعملًا منتجًا، أن يجعلها سعيًا للدنيا، أو سعيًا للآخرة، وله الخيار أن يبذل في سبيل الخير أو الشر، أن يُناصر الحقّ أو الباطل. وترتبط مسؤولية الإنسان بالمسار الثّاني لحياته، وكلُّ ثوابه وعقابه لا ارتباط له بالمسار الأوَّل، وإنّما ارتباطه بما أُقدِر عليه، وتعلَّق به اختيارُه.
ولا ينفصل المسار الاختياريّ للإنسان عن نظرته للكون، والموت، والحياة، وذاته ومكانته.
فالنظر إلى الكون بأنّه لا خالق له، ولا حياةَ، ولا عقلَ، ولا حكمة، ولا علم، ولا هدف وراءه، وأنّه لا أصلَ له في وجودٍ غنيٍّ بذاته كامل لا نقص له، ولا يمكن أن يلحقه نقص، وإنما وُجِد تلقائيًّا من نفسه على نقصه ومحدوديّته وإمكانه، ومن رَحِم العدم، وبلا حكمة ولا هدف ... وُجِد صدفة وعبثًا ... النظر إلى الكون بهذا النظر يقود الإنسان إلى مسار العبثية واللذة الماديّة والضياع والانفلات على عكس الرّؤية التوحيديّة للكون التي