محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٧ - الخطبة الأولى
يرفع طعامه وشرابه إلى فيه بيده، لا أنّه يكُبّ عليه. عن الإمام زين العابدين عليه السلام:" .... وَ فَضَّلْناهُمْ يقول: ليس من دابّةٍ ولا طائرٍ إلا وهي تأكل وتشرب بِفِيها، لا ترفع بيدها إلى فِيها طعامًا ولا شرابًا غيرُ ابن آدم، فإنّه يرفع إلى فِيه بيده طعامه، فهذا من التفضيل" ١١.
وعن الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالى:" وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا خَلَقَ كلّ شيء منكبًّا غير الإنسان خُلِق منتصبًا" ١٢.
نعم إنّه من التفضيل لهذا الإنسان من حيث الصورة أن يُخلق الإنسان منتصب القامة قادرًا على أن يطمح ببصره إلى السّماء وكلّ ما عداه من حيٍّ يراه على الأرض خُلِق ووجهه إلى الأرض، وأن يرفع طعامه وشرابه بيده إلى فمه، وغيرُه من أحياء الأرض التي يشهدها تضطرُّ إلى أن تصلَ طعامها وشرابها بفِيها في صورة أبعد من الكرامة التي عليها طريقة الإنسان في تناوله لشرابه وطعامه.
هذا من كرامة الإنسان وتفضيله صورة. ومن كرامته وتفضيله معنى هذا التميُّز الواضح العظيم في موهبة العقل والنطق والإرادة الذي لا مخلوق من مخلوقات الأرض من نبات وحيوان يُشارك الإنسان فيه.
فعقلُ الإنسان هو سرّ تصرّفه في أشياء الأرض وموجوداتها، وسرُّ تقدّم مستوى حياته وحضارته، وقدرته الهائلة على تطوير أوضاعه ليس لغيره من شركائه في حياة الأرض مثله، ولا المشاعر الكريمة الرفيعة التي تعمر بها النفوس الحيّة في عالم الإنسان يجدها نبات أو حيوان من دابة أو طير، ولا القدرة على التعبير ونقل الأفكار والمشاعر التي يتمتع بها الإنسان تكون لشيء من ذلك، ولا الإرادة وصفة الاختيار للهدف والمنهج هي لغير الإنسان من موجودات تشاركه الحياة المادية في الأرض مما ذُكر.