محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٨٦ - الخطبة الأولى
عن الإمام الكاظم عليه السلام:" خلق الله عالمين متّصلين؛ فعالم علويٌّ، وعالم سفلي، وركّب العالمين جميعًا في ابن آدم" ٩.
والإنسان قبضة من طين تشدّه إلى حاجات الأرض، وهمومها، وأمانيها، ونفخة روح تتجه به إلى السماء وقيمها وجلالها وجمالها، وإلى الجلال المطلق، والجمال المطلق لربّ السماء والأرض، وتثير أشواقه إليه، وتؤجّجها فيه، وترفع من مستواه، وتجعل تطلّعه إلى الكمال غالبًا على تعلّقه بما تُقدّمه الأرض من لذّة، وما تُغري به من جمال ماديّ عابر لا يملك أن يقارِب جمال المعنى في قيمته وأفقه وسعادة النفوس الحيّة به.
إنّه الإنسان فيه ما يشدّه إلى الأرض، ويُغري به الشيطان، ويطمعهُ فيه، ويجد الأمل في انخداعه به، وفيه ما ينفتح به وعيًا وشعورًا كريمًا، وشوقًا حارًّا على ربّه، ويجعل همّه الأول والأكبر في التقرّب إليه بأن ترقى ذاته بالتحلِّي بالمحدود والممكن له من صفات جلال الله وجماله المطلق الذي لا حدود له.
فقه الرضا:" قال العالم: وجدت ابن آدم بين الله وبين الشيطان؛ فإن أحبّه الله- تقدّست أسماؤه- خلّصه واستخلصه، وإلّا خلّى بينه وبين عدوّه" ١٠.
ولابد من إعمال الإنسان إرادته في سبيل التقرُّب إلى ربّه سبحانه وتعالى من أجل أن يُخلّصه الله من عدوه، وكل عوائق تقرّبه إليه، واستخلاصه لطاعته ومحبّته. الإنسانُ معادلاتٌ وموازنات دقيقة ومحكمة ومتناسقة ومتكاملة وموجَّهة، ومصممة تصميمًا عادلًا، ومتّسقًا مع الطلب الإرادي للغاية الكريمة الكبرى المتمثلة في القُرْب من الله عزّ وجلّ، ونيل رضاه.
الإنسان كريم خلقًا صورة، كريم خلقًا معنى ومضمونًا. صورته منتصب القامة، مرفوع المحيّا، يرمي ببصره إلى بعيد، ويرتفع به إلى السماء.