محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٩ - الخطبة الأولى
انظر أيّ شيء لمن انقطع بنظره عن الآخرة، وانصبّ اهتمامه على الدنيا، وكانت مُرادَه وهدفه وبُغيته مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ٢.
فصاحب الدنيا يخرج من دنياه ساقطَ القيمة، خسيسَ الذات ليدخل النّار ويصلاها مذموماً مدحوراً، فلم يُحقِّق له هدفُ الدنيا ذاتاً كريمة، وكمالًا ينأى به عن النّار، ويُؤهّله للجنَّة.
وأمّا من عَبَدَ الله وطَلَبَ الآخرة وعمل صالحاً في إيمان فقد تحقّق له هدف الحياة من بناء الذات والأخذ بها على طريق الكمال، وتأهيلها للجزاء الأوفى الكريم وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ٣.
فمن أجل أن نربح الحياة، أن نُحقِّق هدفها لابُد أولًا من التعرُّف على هذا الهدف، وأهمّيته، وقيمته العالية حتّى تنشدّ إليه النفس على قاعدةٍ من الوعي أتمّ الانشداد، وتأتي كل أهدافها التفصيلية متفرِّعة منه، منسجمة معه، مؤدّية إليه.
وليس لحياتنا إلا هدف واحد لا يقبل في حكم العقل والفطرة الاشتباه، وليس لغيره من دليل ولو واحد على الإطلاق.
الهدف أن يعرف العبدُ ربَّه، أن يعبده، أن يصوغ حياته في ضوء هدى دينه، أن يتحلّى بما يُمكِّنه وجوده المحدود، ومواهبُ الله عنده، وجهادُه ومصابرته من الجمال والكمال الذي يستعطيه من بارئه في تقرُّبه إليه، في خضوعه له، وطاعته وعبادته.
اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم النبيين والمرسلين، وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.