محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦١ - الخطبة الأولى
مستوى وعناية في نظره، وإذا كان لابد من تضحية بإحداهما لسلامة الأخرى فالحفاظ في هذه الحالة للرّوح وسلامتها ولو كان ذلك على حساب البدن.
وتتماشى العناية بالروح والبدن في منهج الإسلام بلا تعارض بينهما، ويتساير النموّ فيهما معاً في تربيته؛ ولا يحصل التعارض بين مصلحة الجانبين في الأغلب إلا بما تُسبِّبه المناهج والتربيات الأخرى المنحرفة.
يوائم الإسلام بين حاجات الإنسان في كلٍّ من بُعد روحه وبدنه، ويُعطي حضوراً لجانب الرّوح، وجانب الهدف من الحياة، وذِكْر الله سبحانه، والتعلّق به تحقيقاً لكماله وسعادته الأبديّة، وكذلك استقامة أوضاعه في هذه الحياة وراحته وهناءته في كلِّ مساحة حياته وأنشطته.
تسعى التربية الإسلامية إلى أن يعيش الإنسان ذكر ربّه قائماً وقاعداً وفي كلِّ حالات حياته، وألوان النّشاط الرّوحيّ والماديّ حتّى لا يشذّ اختياره لها عن الحكم الشرعي الذي يحافظ على مصلحته، ومصلحة مجتمعه، وحتى لا يغيب جانب الرّوح وتربيته في أيّ نشاط من أنشطته، وأيّ ممارسة من ممارساته، وحتّى يأتي سعيه كلّه في هذه الحياة في ضوء الهدف الكبير الذي خلقه الله من أجله.
ترى الإسلام يعمل على ذلك في كل أوضاع الإنسان من أكل، وشرب، ونكاح، وصناعة، وزراعة، وتجارة، ودخول سوق، وإيواء لفراش، ودخول حمام، وخلوة، وسفر، وإصباح، وإظهار، وإمساء حتّى لَتَعْرِفَ أنّ الإسلام لا يريد للحظة من لحظات حياة الإنسان أن تمرّ ولو كانت من أغلظ لحظات المادَّة في غيابٍ من وجوده الرّوحي، بعيدةً عن معرفة ذاته، سموِّ معناه، وعي هدفه، ذكرِ ربّه الذي فيه هُداه ورشده، وبلوغه كمالَه، وتحقّقُ غايته.