محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٠ - الخطبة الأولى
وكلّ رضا تخلقه هذه المناسبات هو رضا نسبيٌّ يمكن أن تعيش معه النفس مضايقات كثيرة من جهات أخرى، وقد تُذهِب تلك المضايقات أثرَه.
ومع صحوة النفس، وتنبُّه القلب، وعدم الوقوع تحت تأثير الغفلة وتخدير المشاعر مَنْ ذَهَبَ به وهمُه إلى عبثيّة الحياة، وخلوّها من الهدف الصالح ٧، والغاية المقبولة، وفَقَدَ الإيمانَ بحكمة الأقدار، والعدل في التّدبير الكونيّ، وما يتّصل بحياة الإنسان، وما تشهده من خيرٍ أو شرّ، ونفعٍ أو ضرّ لم يكن أمامه من فرصة ليفِرّ من قلقه واضطرابه وبؤسه إلّا أن يُحاول الهروبَ من صحوة الشّعور وإن كان له ماله من نِعَمٍ ونجاحات وفُرَص من فرص هذه الحياة ٨.
ولا يرضى إنسان منتبه بشيء رضا من آمن بالله، وعدله، وحكمته، وحسن تقديره، ولطفه ورحمته، وأنَّ القَدَر الإلهيّ الذي يحكم الكون والحياة إنما منطلقه العلمُ والعدلُ والحكمةُ واللطفُ والرّحمةُ والإحسان.
ولا واقي من تأثير الخسائر والنوائب والكوارث التي تَمَسُّ أوضاع الحياة عند الإنسان وتُهدِّدها بتحويله إلى إنسانٍ ساخط، مغلوب ليأسه، فاقد لشعوره بقيمة الوجود، والحياة، وقيمة ذاته، وأيّ أمل في المستقبل أكبر من ذلك الإيمان ٩، ولا يمكن أن تقوم نفس، ويصمد قلب أمام بعض أعاصير الحياة بعيدًا عن ذلك المعتقَد ١٠.
ومن كان له معرفة حقّ بالله عزّ وجلّ كان له ذلك الإيمان، ومن أخطأ معرفة ربّه سبحانه دَخَلَه الشكّ في قضائه وقدره وعلمه وحكمته.
وبالإيمان بالله وإحاطة علمه، وواسع قُدرته، وبلاغة حكمته، وجميل تقديره، وبالخضوع لأمره ونهيه، والإخلاص في طاعته يتمُّ رضا النّفس، وراحة القلب، والسّعادة المطلوبة.