محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦٠ - الخطبة الأولى
من نواقص الإنسان:
إنّ للإنسان نواقص تطبع شخصيّته، وإنْ يستسلم لها تُسِءْ إلى وجوده، وتكن عائقًا في طريق كماله، وتحطّ بقدره؛ تقدّم منها ما تقدّم، وهذا منها:
الظلم:
وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ١.
الضعيف يطلب القوّة، والفقير يبحث عن الغِنى، والخائفُ يسعى إلى الأمن، والمغمور ينشُدُ الظهور، وحبُّ الذّات يدفع للاستحواذ. والحاجة الملحّة، والظرف الضاغط، والخوف على الذّات لا يُفرّق بين حقٍّ وباطل، ولا بين عدلٍ وظلم، وقد لا يدع فرصة لتعقّل وتفكّر.
والإنسان حين ينظر إلى ذاته يرى منها الفقرَ والحاجةَ، ويرى من يُنازعها البقاء، ويُنافسها على أسباب الحياة، وما يتهدّدها بالفناء، ويخاف على ما في يده من أسباب القوّة، وفُرَص النفوذ، ومواقع التأثير.
فإذا لم تتجلّ في قلبه قضيةُ الإيمان بالله، وتغمُر نفسه بهداه، ويكن له من ثقته بربّه ما يُطَمْئِنُه، ومن دينه الحقّ ما يُهذّب صفاته كان مدفعوعًا بفقره وحاجته وخوفه وحبّه لذاته للظُّلْم حمايةً لنفسه، وطلبًا للقوّة والغنى والظهور مما يرى فيه سببًا لبقائه. أمّا قيمة العدل التي هي من قيم إنسانيته فتتوارى، ولا يكون لها حضور في سلوكه بفعل ما يدفعه للظّلم مما يرى فيه بقاءه، وتتوقف عليه حياتُه.
إنه بدون الإيمان والتهذيب يكون مسار حياته من وحي دوافعه المادية، وبتوجيهها وضغطها وتحت إمرتها. وهي دوافع بعيدة عن لغة الأخلاق والقيم والحقّ والعدل كلَّ البعد، ولا تعرف التنسيق بينها وبين شيء آخر من أخلاق وقيم.