سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٣٥٦ - كلام بعض الأفاضل في آداب المعلّم و المتعلّم
«قَبْلُ» [١] الآية،و لأجل ذلك كره للعامّة أن يجالسوا أهل البدع و الأهواء لئلاّ يغووهم،فالعامي إذا خلا بأهل البدع فكالشاة إذا خلت بالسبع،فأمّا الحكيم فلا بأس بمجالسته ايّاهم فانّه جار مجرى سلطان ذي أجناد و عدّة و عتاد لا يخاف عليه العدوّ حيثما توجّه و لهذا جوّز له الاستماع للشّبه بل أوجب عليه أن يتبع بقدر جهده كلامهم و يسمع شبههم ليجادلهم و يدافعهم فالعالم أفضل المجاهدين،الجهاد جهادان جهاد بالبنان و جهاد بالبيان.
و قال:حقّ المعلّم أن يجري متعلّمه منه مجرى بنيه فانّه في الحقيقة أشرف من الأبوين كما قال الاسكندر و قد سئل منه أ معلّمك أكرم عليك أم أبوك؟قال:بل معلّمي لأنّه سبب حياتي الباقية و والدي سبب حياتي الفانية،و أيّ عالم لم يكن له من يفيده العلم صار كعاقر لا نسل له فيموت ذكره بموته و متى استفيد علمه كان في الدنيا موجودا و إن فقد شخصه كما
٨٠١٢ قال أمير المؤمنين عليه السّلام: العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و آثارهم في القلوب موجودة. و قال بعض الحكماء في قوله تعالى: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» [٢]انّه سأله نسلا يورثه علمه لا من يورثه ماله،فأعراض الدنيا أهون عند الأنبياء من أن يشفقوا عليها و كذا قوله: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوٰالِيَ مِنْ وَرٰائِي» [٣]أي خفت أن لا يراعوا العلم و لهذا
٨٠١٣ قال(عليه الصلاة و السلام): العلماء ورثة الأنبياء. و كما انّ حقّ أولاد الأب الواحد أن يتحابّوا و يتعاضدوا و لا يتباغضوا كذلك من حقّ بني العلم الواحد بل الدين الواحد أن يكونوا كذلك،فاخوة الفضيلة فوق اخوة الولادة و لذلك قال تعالى:
«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» [٤] و قال: «الْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ» [٥].
[١] سورة المائدة/الآية ٧٧.
[٢] سورة مريم/الآية ٥ و ٦.
[٣] سورة مريم/الآية ٥.
[٤] سورة الحجرات/الآية ١٠.
[٥] سورة الزخرف/الآية ٦٧.