سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٣٤٥ - ثواب العالم و المتعلّم و العلوم التي أمر بتحصيلها
كلام الراغب الأصفهانيّ أقول: و للراغب الأصفهانيّ كلام في هذا المقام يعجبني نقله،قال:من كان قصده الوصول الى جوار اللّه و التوجّه نحوه كما قال تعالى: «فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ» [١]
و كما
٧٩٨٤ أشار إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: «سافروا تغنموا». فحقّه أن يجعل أنواع العلوم كزاد موضوع في منازل السفر فيتناول في كلّ منزل قدر البلغة و لا يعرج [٢]على تفصّيه و استغراق ما فيه فانّه لو قضى الإنسان جميع عمره في فنّ واحد لم يدرك قعره و لم يسبر غوره و قد نبّهنا الباري سبحانه على ذلك بقوله: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ» [٣].
٧٩٨٥ و قال أمير المؤمنين عليه السّلام: العلم كثير فخذوا من كلّ شيء أحسنه. و قال الشاعر:
قالوا خذ العين من كلّ فقلت لهم
في العين فضل و لكن ناظر العين
و قال بعض الحكماء في ذلك:انّ الشجرة لا يشينها قلّة الحمل إذا كانت ثمرتها يانعة.و يجب أن لا يخوض في فنّ حتّى يتناول من الفنّ الذي قبله بلغته و يقضي منه حاجته،فازدحام العلم في السمع مضلّة للفهم و عليه قوله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاٰوَتِهِ» [٤]أي لا يجاوزون فنّا حتّى يحكموه علما و عملا،و يجب أن يقدّم الأهمّ فالأهمّ من غير إخلال بالترتيب،و كثير من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول.و حقّ الطالب أن يكون قصده من كلّ علم يتحرّاه التبلّغ به الى ما فوقه حتّى يبلغ به النهاية و النهاية هي معرفة اللّه سبحانه فالعلوم كلّها خدم لها و هي حرّة،و روي انّه رئيت صورة حكيمين من الحكماء في بعض
[١] سورة الذاريات/الآية ٥٠.
[٢] التعريج:الإقامة على الشيء،و فصّيته تفصية:خلّصته(القاموس).
[٣] سورة الزمر/الآية ١٨.
[٤] سورة البقرة/الآية ١٢١.