جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١٥ - المقدار المندوب في مسح الرأس
..........
و لعلّ من أطلق القول بكونه [المسح بمقدار ثلاث أصابع] أفضل أفراد الواجب- كما نسب في المنتهى إلى المحقّقين [١]- أراد الثاني [أي صورة كون المسح بمقدار الثلاث دفعةً واحدةً]. كما [أنّ] من أطلق كونه مستحباً أراد الأوّل [أي صورة كون المسح بمقدار الثلاث تدريجياً].
و ما يقال من احتمال كونه على الأوّل أحد أفراد الواجب المخيّر لمكان قصده امتثال أمر المسح به، ضعيف؛ إذ لا دخل للقصد في صدق الماهيّة، و الامتثال ترتّبه عليها عقليّ. نعم، لو قام دليل من خارج أنّ مَن قصد امتثال أمر المسح بالزائد كان تكليفه ذلك [المسح زائداً على المسمّى] و لا يجزيه حينئذٍ الأوّل [أي المسمّى] و إن تحقّقت به الماهيّة لكان متّجهاً. لكن الفرض عدمه [عدم وجود دليل على ذلك]، و نفس الأمر بالمسح لا ينتقل منه إلى ذلك [إلى أنّ قصد الامتثال بالزائد يوجب عدم إجزاء المسمّى].
و لقد أطال صاحب الحدائق [٢] في كون المدار على القصد، فمن قصد امتثال أمر المسح بمقدار الثلاث مثلًا لا يجزيه الأقلّ ما لم يعدل، و من قصد الامتثال بالأقلّ لم يكن الزائد واجباً و لا مستحباً؛ لعدم الدليل على الوجوب و لا على الاستحباب؛ لأنّ ما دلّ عليه ظاهر في كون تأدية الواجب به مستحباً، فبعد حصول الواجب لم يبق استحباب أصلًا. بل قال: «إنّي لا أفهم وصف الزائد بعد تحقّق الامتثال بالأقلّ بالاستحباب أو الوجوب. نعم، هو متّجه بالنسبة إلى الفردين اللذين يتحقّق بهما الواجب، على معنى كون الفرد الذي مساحة المسح فيه مقدار الثلاث أفضل من الفرد الآخر». و أطال في الاعتراض على ما ادّعى ظهوره من كلمات الأصحاب من كون الزائد على ما تحقّق الواجب هل هو على الوجوب أو الاستحباب؟
قلت: أنت خبير بما فيه؛ إذ مراد الأصحاب أنّ الزائد على مقدار المسمّى هل هو مخاطب به خطاب ندبي غير خطاب الواجب، فيكون مسحين: أوّلهما ما تحقّق الواجب، و الآخر مستحبّ محض، أو أنّه مسح واحد تأدّى به الواجب، فيكون المراد أنّه أفضل أفراد الواجب.
و الحاصل: أنّ مسح مقدار الثلاث هل هو أفراد لتحقّق ماهيّة المسح، فيتأدّى الواجب بأوّلها و الباقي مستحبّ، أو أنّه فرد واحد، فيراد باستحبابه على معنى كونه أفضل أفراد الواجب؟ و قد عرفت أنّ الذي يقتضيه بادئ النظر الفرق في ذلك بين التدريجي و الدفعي، فالأوّل واجب [و هو المسمّى] و مندوب محض [و هو الزائد عليه]. و الثاني [و هو الدفعي] أفضل أفراد الواجب. لكن قد يقال- بعد التأمّل في خصوص المقام-: إنّه من أفضل أفراد الواجب في كلّ من الدفعي و التدريجي بشرط اتّصال المسح فيه؛ لما يظهر من العرف أنّه مسح واحد كالغسل المتّصل، بل قد يدّعى أنّه الظاهر من قول الأصحاب: «المندوب مسح ثلاث أصابع»؛ إذ لا ينطبق على ظاهره؛ لكون بعضه واجباً قطعاً، بل الذي يقتضيه الرواية؛ فإنّ قوله (عليه السلام): «يجزي من المسح ... إلى آخره» بعد حمله على الندب لا معنى لأن يراد به الواجب و الندب، فالأقوى- بحسب النظر- كونه أفضل أفراد الواجب فيهما [في التدريجي و الدفعي] معاً، لكن بشرط عدم الانفصال في المسح التدريجي، فتأمّل جيّداً. و فيما تركنا و ذكرنا من كلام صاحب الحدائق مواضع للنظر لا تخفى على من لاحظها، تركنا التعرّض لها خوف الإطالة. و أمّا احتمال القول: إنّه في الدفعي مستحبّ لأنّه يجوز تركه لا إلى بدل فضعيف جدّاً؛ إذ البدل الاقتصار على الأقلّ.
[١] المنتهى ٢: ٤٨.
[٢] الحدائق ٢: ٢٧٦- ٢٧٩.