جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٣٨ - عدم اعتبار نيّة رفع الحدث أو الاستباحة
..........
و أمّا [الدليل الثاني و هو] اشتراك الوضوء بينه [الرافع للحدث] و بين غير الرافع، ففيه: أنّه ليس اشتراكاً موجباً لتعدّد الفعل في وقت واحد حتى يوجب التمييز، بل الرافعيّة و عدمها إنّما هي أوصاف لاحقة له في الخارج مستفادة من الشارع لا دخل لترتّبها بالنيّة، ضرورة أنّه بمنزلة أن يقول: هذه الأفعال إن صادفت موضوعاً ليس متلبّساً إلّا بالحدث الأصغر رفعتْه و إلّا فلا ترفع، فهو- أي الرافع و عدمه- حكم من الشارع خارجي قد يعلمه المكلّف و قد يجهل به، و في الحالتين يؤثّر الوضوء أثره.
بل يمكن أن يقال فيما لو فرض مكلّف زعم نفسه جنباً مثلًا، فتوضّأ مع ذلك وضوء الجنب، ثمّ بان له أنّه ليس جنباً، بارتفاع حدثه و صحّة وضوئه، كما لو كان العكس يكون [وضوؤه] صورياً؛ لما عرفت من أنّ تسبيب ذلك ليس دائراً مدار القصد، و قصد التعيين ليس منحصراً في قصد رفع الحدث، بل تكفي نيّة الاستباحة عنه؛ لتلازمهما كما ستسمعه في كلام أهل القول بالتخيير.
و أمّا [الدليل الثالث و هو] القول بأنّه إن لم ينوِ لم يقع، ففيه: أنّه مصادرة، بل الرواية [أي «لكل امرئ ما نوى ...»]
ظاهرة في أنّ من قصد شيئاً وقع له، فمن قصد الوضوئية تقع له، و متى وقعت له ارتفع الحدث؛ لعدم اجتماعهما في موضوع لم يكن متلبّساً إلّا بالحدث الأصغر الغير الدائم. مع احتماله [عدم اجتماع الحدث و الوضوء] فيه [المتلبّس بالحدث الأصغر الدائم] في وجهٍ أيضاً. و لمكان التلازم في الخارج بين رفع الحدث و استباحة المشروط بالطهارة.
[القول الثاني]: خيّر بعضهم بينهما [نيّة رفع الحدث و نيّة الاستباحة]. و هو المذهب الثاني، و هو مختار الشيخ في المبسوط [١]، و تبعه عليه بعض من تأخّر عنه كالمصنّف (رحمه الله) في المعتبر [٢] و العلّامة في جملة من كتبه [٣] و غيرهم.
بل في السرائر: «إجماعنا منعقد على أنّه لا تستباح الصلاة إلّا بنيّة رفع الحدث أو نيّة استباحته بالطهارة» [٤].
لكنّه صرّح الشيخ ٥ و ابن إدريس ٦ بعدم الاكتفاء بنيّة ما كانت الطهارة مؤثّرة في كماله، و حكم بعدم صحّة الوضوء حينئذٍ.
و اختار بعض من وافقه [٧] في الأوّل [أي ما كانت الطهارة شرطاً في صحّته] خلافه في الثاني [أي ما كانت الطهارة شرطاً في كماله، فيكون كلٌّ منهما مبيحاً]؛ لأنّه لا فرق بين ما كانت الطهارة شرطاً في صحّته و بين ما كانت شرطاً في كماله في لزومهما لقصد رفع الحدث.
و احتمال الغفلة عن ذلك [قصد رفع الحدث] في الثاني جارٍ في الأوّل أيضاً.
و لعلّه [الاكتفاء بنيّة ما كانت الطهارة مؤثّرة في كماله] الأقوى؛ بناءً عليه [التخيير بين نيّة رفع الحدث و نيّة الاستباحة].
[١] ١، ٥ المبسوط ١: ١٩.
[٢] المعتبر ١: ١٣٩.
[٣] المختلف ١: ٢٧٥. التذكرة ١: ١٤٤. المنتهى ٢: ١٤.
[٤] ٤، ٦ السرائر ١: ١٠٥.
[٧] المعتبر ١: ١٤٠.