جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٣٤ - وجوب التعيين مع تعدّد المكلّف به
..........
و في بالي أنّ في بعض الأخبار أنّه سئل أحد الأئمّة (عليهم السلام) عن شيء فأمره به، ثمّ جاءه في السنة الثانية فسأله عنه ثمّ أمره به، ثمّ جاءه في السنة الثالثة فسأله عنه فأذن له في تركه [١]، فهناك فهم أنّه مستحب.
بل ممّا يؤيّد ما ذكرنا أنّه لا ريب في أنّ طاعتنا للّٰه تعالى على نحو طاعة العبيد لساداتهم، و من المقطوع به أنّ أهل العرف لا يعدّون العبد الآتي بالفعل الخالي عن نيّة الوجوب أو وجه الوجوب عاصياً، بل يعدّونه مطيعاً ممتثلًا ممدوحاً على فعله.
و الحاصل: صفة الوجوب و الندب من الصفات الخارجة عن تقويم الماهية، بل هما من المقارنات الاتّفاقية، و مثلهما القضائيّة و الأدائيّة و القصريّة و التماميّة و الزمانيّة و المكانيّة و نحو ذلك.
على أنّه كيف يتمّ وجوب نيّة الوجه و عدم استحقاق الثواب إلّا بها كالامتثال، مع أنّه في كثير من المقامات لا يعرف الفعل أنّه واجب أو مندوب لاشتباه موضوع أو اشتباه حكم؟! مع أنّ القول بالسقوط هنا ممّا لم يرتكبه ذو مسكة، كالقول بتحقّق الامتثال حينئذٍ، و قصدهما على سبيل الترديد غير مفيد.
فلا ينبغي الإشكال حينئذٍ في عدم وجوب نيّة الوجوب و الندب أو وجههما لا قيداً و لا غاية.
نعم، نقول بوجوب ذلك حيث يتوقّف عليه التعيين؛ لعدم حصول الامتثال حينئذٍ إلّا به، بل لعلّ مراد من اشترط ذلك [نيّة الوجه] ذلك [صورة ما يتوقّف التعيين عليه] كما يقضي به بعض أدلّتهم.
لكنّك قد عرفت أنّه لا اشتراك في الوضوء يوجب ذلك.
لا يقال: إنّ جميع ما ذكرت أقصى ما يفيد الظنّ بعدم الوجوب، لكنّه ليس ظنّاً منشؤه آية أو رواية، بل هو من امور خارجة عن الأدلّة الأربعة، مع عدم القول بأنّ كلّ ظنّ حصل للمجتهد حجّة.
لأنّا نقول- بعد إمكان منع ذلك لرجوع بعض ما ذكرنا إلى الأدلّة المعتبرة-: إنّا نمنع عدم حجّية كلّ ظنّ حصل للمجتهد بالنسبة إلى موضوع العبادة، و إن منعناه في أصل الحكم؛ لمكان كونها من الموضوعات التي يكتفى فيها بالظنّ، فتأمّل جيّداً.
بقي شيء، و هو أنّ اللازم ممّا ذكرنا عدم وجوب نيّتهما [الوجوب و الندب]، أمّا لو نوى كلّاً منهما في مقام الآخر جهلًا أو غفلة لا تشريعاً.
ربّما ظهر من بعضهم بطلان الوضوء حينئذٍ.
و احتمل تنزيل كلام المعتبرين لاشتراط نيّة الوجه عليه.
و للنظر فيه مجال؛ إذ قد يقال: إنّه بعد تحقّق قصد الامتثال بالعبادة و تشخّصها، و الفرض أنّها مطلوبة للشارع مرادة، فنيّة أنّها واجبة و هي مستحبة أو بالعكس لا يؤثّر في ذلك فساداً. و مثل ذلك جميع الصفات الخارجية التي هي من المقارنات الاتّفاقية بعد تشخيص أصل المكلّف به، كما هو واضح لمن تأمّل.
نعم، قد يقال بحصول الإشكال فيما لو جهل جعل صفة الوجوب أو الاستحباب مشخّصة لما زعم تعدّده جهلًا مثلًا كما تقدّمت الإشارة إليه سابقاً، و اللّٰه أعلم.
[١] الوسائل ١: ٢٧٩، ب ١٢ من نواقض الوضوء، ح ٩.