جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٧ - زوال التغيير بغير إلقاء الكرّ
..........
و الحاصل: لا تلازم بين المسألتين. و من هنا ذهب بعض القائلين بحصول الطهارة بالإتمام إلى عدمها في المقام كما صرّح به ابن إدريس [١]، و صريح المنقول عن المهذّب [٢] مع قرب ما بين المسألتين فيه. و لعلّ الباعث للقول بالتلازم اشتراك بعض الأدلّة. و فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت، و إلّا لجاء ذلك في كثير من المسائل.
و على كلّ حال، فعمدة أدلّة المشهور [على عدم التطهير] الاستصحاب. نعم، قد يذكر غيره معه في كلام بعضهم [٣] على جهة التأييد أو الإلزام، كالقول: إنّ النجاسة ثبتت بواردٍ فلا تزول إلّا بوارد، بخلاف نجاسة الخمر فإنّها ثبتت بغير وارد فتطهّر بغير وارد [و هو الانقلاب]. كما أنّ عمدة ما يستدلّ للمخالف [على الطهارة] هو ظهور أنّ علّة النجاسة التغيّر، فمتى انتفت انتفى معلولها معها. و ربّما ايّد بشمول ما دلّ على طهارة غير المتغيّر له.
و ربّما نوقش في دليل المشهور بعدم حجّية الاستصحاب، و لا يخفى فسادها كما بيّن في محلّه. نعم، قد يناقش بأنّ ما دلّ على النجاسة بالتغيير هو ممّا علّق الحكم فيه على الوصف، الظاهر في نفي الحكم من غير الموصوف، فلا يجري الاستصحاب. و قد يجاب بأنّه ليس منه، بل قد اشتمل بعضها على الشرط، كقوله (عليه السلام): «كلّما غلب» [٤]، و قوله (عليه السلام): «إن تغيّر» ٥ و نحوهما، و هو متحقّق الصدق و إن زال التغيير. بل يكفي في المطلوب عدم تحقّق صدق العدم، فلا يكون هناك معارض للاستصحاب، المؤيّد بالمفهوم من التعليل بالمادة في طهارة البئر بالنزح حتى زال التغيير، و غير ذلك. سلّمنا، لكنّه يدلّ على نفي الحكم عن فاقد الوصف، لا عمّن تلبّس به ثمّ زال عنه. و لا ينافي ذلك كونه [الدليل] مشعراً بالعلّية؛ لأنّه لم يعلم كونه [التغيّر] علّة ما دام موصوفاً أو هو علّة في الابتداء و الاستدامة، و هو محلّ الاستصحاب. و منه يعلم الكلام في مفهوم العلّة المصرّح به. اللّهمّ إلّا أن يفرّق بينهما [بين الدليلين]. نعم، لو دخل بعد سلب الوصف تحت موضوع آخر- كما لو زال السوم عن الغنم ثمّ دخلت تحت المعلوفة- فحينئذٍ يعارض الاستصحاب ما دلّ على حكم المعلوفة، و أمّا في مثل ما نحن فيه فلا معارض للاستصحاب؛ لظهور أدلّة [اعتصام] غير المتغيّر في الذي لم تلحقه صفة التغيير، فتأمّل جيّداً. و لا ينافيه أيضاً كون المشتقّ حقيقة في الحال- لو سلّمنا أنّ بعض الأدلّة منه- لأنّا لم نتمسّك بصدق اسم «المتغيّر» عليه، بل نقطع بعدم الصدق مع القول ببقاء الحكم للاستصحاب. و انتفاء الحكم من حيث عدم صدق المشتق لا ينافي إثباته من حيثية اخرى كالاستصحاب و نحوه، إذ لا معارضة بينهما.
و كلّ ذلك محلّ للنظر و التأمّل، فالمسألة لا تخلو من إشكال إن لم يتمسّك بإطلاق بعض الأدلّة، لكنّه لا محيص عن فتوى المشهور. و بها يقوى الاستصحاب على معارضة غيره، خصوصاً بعد ما سمعت من الإطلاق المزبور المؤيّد بالمفهوم المذكور، و بعد عدم وجود لفظ «المتغيّر» عنواناً للحكم؛ كي يتوهّم منه دوران الحكم عليه وجوداً و عدماً، مضافاً إلى ما سمعت على تقديره، و اللّٰه العالم.
و على كلّ حال، فممّا تقدّم تعرف ما في دليل الخصم و ما في تأييده أيضاً؛ فإنّه معارض بإطلاق ما دلّ على الاجتناب مع التغيير، على أنّها ظاهرة في الذي لم يتغيّر أصلًا لا في ما تغيّر ثمّ زال تغييره، فتأمّل.
[١] السرائر ١: ٦٢.
[٢] المهذّب ١: ٢٣.
[٣] المنتهى ١: ٦٤.
[٤] ٤، ٥ الوسائل ١: ١٣٧، ١٣٨، ب ٣ من الماء المطلق، ح ١، ٣.