جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٣ - عدم طهارة القليل بإتمامه كرّاً
..........
مع أنّ [الثالث، و هو] إطلاقات المياه إن أراد بها الخصم مثل قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك» [١]، و قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)* [٢] و نحو ذلك، فهي لا تدلّ على المقام؛ للقطع باشتراطها بالطهارة الغير المعلوم تحقّقها هنا؛ إذ من المسلّم عندنا و عند الخصم خروج النجس، إنّما الكلام في كون هذا منه أو لا، فلا يمكن إثباته بذلك، و هي غير مساقة لبيانه، فيكون الاستدلال بها من قبيل الاستدلال على طهارة صيد الكلاب بقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [٣]، و هو باطل كما بيّن في محلّه.
و أمّا [الرابع، و هو] ما في السرائر من الرواية فقد أنكرها جماعة منهم المحقّق في المعتبر، فإنّه قال: «إنّا لم نروه مسنداً، و الذي رواه مرسلًا المرتضى (رحمه الله) و الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) و آحاد ممّن جاء بعده، و المرسل لا يعمل به، و كتب الحديث عن الأئمة خالية عنه أصلًا، و أمّا المخالفون فلا أعرف به عاملًا سوى ما يحكى عن ابن حيّ، و هو زيدي منقطع المذهب، و ما رأيت أعجب ممّن يدّعي إجماع المؤالف و المخالف فيما لا يوجد إلّا نادراً، فإذن الرواية ساقطة» [٤] انتهى.
و الظاهر منهم تسليم دلالتها، و أنّها فرق بينها و بين الوارد من طرقنا كما صرّح به بعضهم [٥]، و هي: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» [٦]؛ لظهورها في عدم القبول بعد كونه كرّاً، و لا ملازمة بينهما.
و من هنا تتّجه المناقشة فيقوى كلام ابن إدريس؛ و ذلك لأنّ الرواية و إن كانت مرسلة إلّا أنّها [منجبرة بما يلي]:
أ- قد رواها من لا يطعن في روايته كالمرتضى [٧] مع العمل بها، و هو لا يعمل بأخبار الآحاد.
ب- و [رواها] الشيخ في الخلاف- فإنّه قال في الماء المستعمل في الكبرى: «إذا بلغ كرّاً» بعد أن ذكر عدم جواز استعماله و إن بلغ للاستصحاب- قال: «و يمكن أن يقال: إذا بلغ كرّاً جاز استعماله؛ لظاهر الأخبار و الآيات المتناولة لطهارة الماء، و ما نقص عنه أخرجناه بدليل، و لقولهم (عليهم السلام): «إذا بلغ الماء كرّاً لم يحمل خبثاً»» [٨] انتهى، فإنّ الظاهر من قوله: «و لقولهم (عليهم السلام) ... إلى آخره» أنّه معطوف على قوله: «لظاهر الأخبار».
جمع أنّ ابن إدريس لا ينبغي الطعن في نقله.
د- و عدم الوجدان لا يقضي بعدم الوجود.
هو أيضاً فقد نقل هو إجماع أصحابنا إلّا ممّن عرف نسبه على طهارة القليل بإتمامه كرّاً، فيكون جابراً للرواية أيضاً.
و لا ريب في أنّ ذلك كلّه يسوّغ العمل بمثل هذه الرواية، مع أنّه لا معارض لها حقيقة إلّا الاستصحاب، و مثله لا يعارض مثلها.
[١] سنن البيهقي ١: ١٩٤، ٢١٧.
[٢] النساء: ٤٣. المائدة: ٦.
[٣] المائدة: ٤.
[٤] المعتبر ١: ٥٢- ٥٣.
[٥] المعتبر ١: ٥٣.
[٦] الوسائل ١: ١٥٨، ب ٩ من الماء المطلق، ح ١، ٢، ٦.
[٧] الانتصار: ٨٤.
[٨] الخلاف ١: ١٧٣- ١٧٤.