جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٩٣ - لو صلّى بكلّ واحدة من الطهارتين صلاة
..........
لكن يمكن الفرق بين الصورة الأخيرة [أي من تيقّن الحدث و الطهارة و شكّ في السابق] و بين ما تقدّمها [من تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة، و من جدّد الوضوء ثمّ علم بفساد أحد الوضوءين] بالتزام تسليم ذلك [عدم وجوب القضاء] فيها دونهما؛ لمكان استصحاب الحدث في الأوّلين الذي بسببه يحصل الفوات، فيشمله حينئذٍ عموم قوله (عليه السلام): «من فاتته»؛ إذ المراد به أعمّ من الشرعي و الواقعي، بخلافها؛ إذ مع تعارض اليقينين لا استصحاب. و الوجوب في الوقت إنّما كان لتحصيل اليقين بالبراءة اليقينيّة الذي لا يصلح جريانه في خارج الوقت. و قد يقال: إنّه يمكن تنقيح الفوات باستصحاب عدم الإتيان بالمكلّف به [فيجب القضاء في الصورة الأخيرة أيضاً]. اللّهمّ إلّا أن يلتزم أنّ الاستصحاب و إن قلنا به لكنّه لا يتحقّق به اسم الفوات، و هو جارٍ في الصور الثلاثة، فتأمّل جيّداً. ثمّ اعلم أنّه ربّما ظهر من العلّامة في المنتهى الفرق بين هذه المسألة [أي من صلّى بكلّ واحدة من الطهارتين]، و سابقتها [و هي من جدّد الوضوء بنيّة الندب ثمّ صلّى و ذكر أنّه أخلّ بعضو من إحدى الطهارتين]؛ فإنّه بعد أن حكم في الاولى بوجوب إعادة الصلاة بناء على اشتراط الاستباحة و عدمه على تقدير العدم، و حكم في الثانية- و هي ما نحن فيه- بوجوب إعادة ما صلّاه بالطهارة الاولى فقط بناءً على القول بالاكتفاء بنيّة القربة، و وجوب إعادتهما معاً بناءً على اشتراط الاستباحة، قال: «و عندي في هذا شكّ، و هو أنّه قد تيقّن الطهارة و شكّ في بعض أعضائها بعد الانصراف؛ لأنّ الشكّ [في] إلحاق الترك [أي ترك غسل عضو من أحد الوضوءين] بالمعيّن منهما [من الوضوءين] و هو الشكّ في ترك أحد الأعضاء الواجبة، فلا يلتفت، و هو قوي» [١] انتهى.
قلت: و أنت خبير أنّ ما ذكره هنا جار في المسألة السابقة أيضاً حرفاً بحرف. و من هنا لم يفرق ابن طاوس في هذا التخريج [الذي ذكره العلّامة لعدم الالتفات إلى الشكّ] بين الصورتين- كما نقل عنه [٢]- و استوجهه الشهيد في البيان ٣.
قلت: هو [عدم الالتفات إلى الشكّ] لا يخلو من وجه، و إن كان الأولى خلافه:
١- لما عرفته سابقاً من ظهور أدلّة الشكّ بعد الفراغ في غيره.
٢- لا أقلّ من الشكّ في ذلك.
٣- على أنّ الظاهر أنّ ذلك من قبيل الشبهة المحصورة، فإنّ اليقين بالإجمال يرفع الاستصحاب في كلّ منهما؛ إذ ترجيح أحدهما ترجيح بلا مرجّح، و إجراء الحكم فيهما معاً منافٍ لمقتضى اليقين، فوجب اجتنابهما معاً، فلا يحكم حينئذٍ بالصحّة في كلّ منهما.
نعم، لقائل أن يقول: إنّه يشكل الحكم بوجوب إعادة الصلاة كما يظهر الاتّفاق عليه هنا في الجملة، و ذلك لأنّه إن لم يكن هذا أولى ممّن تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة فلا أقلّ من المساواة له، و قد تقدّم لك سابقاً عدم وجوب إعادة الصلاة عليه لو حدث له الشكّ بعد الفراغ من الصلاة. بل قد عرفت أنّ فيه احتمال عدم وجوب إعادة الوضوء أيضاً، بل قد ظهر من بعضهم اختياره. فيمكن حينئذٍ القول هنا بعدم وجوب إعادة الصلاة و إن قلنا بوجوب إعادة الطهارة. و لعلّ اتفاقهم هنا على هذا الحكم [أي وجوب الإعادة] بحسب الظاهر يشعر بعدم البناء على تلك القاعدة، و هي عدم الالتفات إلى الشكّ في الشرائط بعد فعل مشروطها. اللّهمّ إلّا أن يحمل كلامهم هنا على ما إذا علم تقدّم سبب الشكّ على فعل المشروط بها و إن لم يحصل الشكّ سابقاً فعلًا. لكنّه بعد تسليم الحكم [أي وجوب الإعادة] فيه لا يخلو حمل كلامهم عليه من بُعد، فتأمّل.
[١] المنتهى ٢: ١٤٥، ١٤٧.
[٢] ٢، ٣ البيان: ٥٢.