جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٧٩ - الشكّ في أفعال الوضوء
ثمّ إنّ الظاهر مساواة الظنّ الذي لم يقم على اعتباره دليل شرعي للشكّ في هذا الحكم (١).
[و يقيّد اعتبار الشكّ في المقام بما لم يكن كثيراً] (٢).
(١) كما هو قضية المقنعة و الغنية و المراسم و الكافي و السرائر و المعتبر و المنتهى [١] و غيرها، بل لعلّه مراد من اقتصر على التعبير بالشكّ في المقام و إن بعد بالنسبة إلى عبارات المصنّفين؛ لمخالفته للحقيقة الاصطلاحية عندهم. نعم، لا يبعد دعوى شمول الرواية المتقدّمة التي هي دليل الحكم له؛ لما تقدّم لك سابقاً أنّه في اللغة للأعمّ منه و من الظنّ. و كيف كان فلا ريب في المساواة في المقام: ١- لأصالة عدم الفعل. ٢- و وجوب تحصيل اليقين بالطهارة. ٣- مع عدم دليل على الاكتفاء بالظنّ هنا، و حمله على الصلاة- بعد تسليمه فيها- قياس لا نقول به.
(٢) و ليعلم أنّ جمعاً من الأصحاب قيّدوا اعتبار الشكّ في المقام بما لم يكن كثيراً؛ منهم ابن إدريس في السرائر، و الشهيد في الذكرى، و المحقّق الثاني في شرح القواعد، و السيّد في المدارك، و الفاضل الهندي في كشف اللثام، و الخوانساري في شرح الدروس [٢]، و غيرهم من متأخّري المتأخّرين. بل لا أجد فيه خلافاً كما في الصلاة، و لعلّه للعسر و الحرج. و يؤيّده التعليل الوارد في أخبار الصلاة كما في صحيحة زرارة و أبي بصير فيمن كثر شكّه في الصلاة- بعد أن قال (عليه السلام):
«يمضي في شكّه»:- «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث، يعتاد لما عوّد» [٣]. و به يظهر وجه دلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: قلت له (عليه السلام): رجل مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: هو رجل عاقل، فقال الصادق (عليه السلام):
«و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء، فإنّه يقول لك: من عمل الشيطان» [٤].
فإنّ الظاهر أنّ المراد بابتلائه كثرة الشكّ، على أنّ كثرة الشكّ من الشيطان كما ظهر لك من الرواية السابقة. و بذلك كلّه تقيّد صحيحة زرارة المتقدّمة لو سلّم شمول لفظ الشكّ فيها لنحو ذلك؛ لظهور انصرافه في الشكّ الموافق لأغلب الناس. على أنّ المواجه بالخطاب فيها [صحيحة زرارة] خاص لم يعلم كونه كذلك [كثير الشكّ]، و لا إجماع على التعميم، بل قد عرفت عدم الخلاف في عدمه [عدم التعميم]. و قد يشير الاكتفاء ببرد الماء الذي لم يوصل إلى حدّ القطع [بالغسل] في مرسل أبي يحيى الواسطي إلى ما نحن فيه، قال: قلت للصادق (عليه السلام): جعلت فداك، أغسل وجهي ثمّ أغسل يدي، و يشكّكني الشيطان أنّي لم أغسل ذراعي و يدي، قال:
«إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد» [٥]، و كأنّ مفهوم الشرط فيه غير مراد [لأنّ مفهومه هو اعتبار شكّ كثير الشكّ فيما إذا لم يحسّ ببرد الماء و هو غير مقصود قطعاً]، فتأمّل جيّداً.
و قد أشبعنا الكلام في باب الصلاة ببعض المباحث المتعلّقة بكثير الشكّ، كالبحث عن مقدار ما به يتحقّق و ما به يزول، و أنّ المراد منه بالنسبة إلى كلّ جزء أو يكفي تحقّقه و لو في جزء و غير ذلك، فلاحظ و تدبّر.
[١] المقنعة: ٤٩. الغنية: ٦١. المراسم: ٤٠. الكافي: ١٣٣. السرائر ١: ١٠٤. المعتبر ١: ١٧٢. المنتهى ٢: ١٤٢.
[٢] السرائر ١: ١٠٤. الذكرى ٢: ٢٠٤. جامع المقاصد ١: ٢٣٧. المدارك ١: ٢٥٧. كشف اللثام ١: ٥٨٧. المشارق: ١٤٠.
[٣] الوسائل ٨: ٢٢٨، ب ١٦ من الخلل الواقع في الصلاة، ح ٢، و فيه: «معتاد» بدل «يعتاد».
[٤] الوسائل ١: ٦٣، ب ١٠ من مقدّمة العبادات، ح ١.
[٥] الوسائل ١: ٤٧٠، ب ٤٢ من الوضوء، ح ٤.