جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٧٠ - من تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة
..........
و يشهد له التأمّل في كلماتهم؛ إذ لم يعرف فيه مخالف من المتقدّمين و المتأخّرين سوى ما عساه يفهم من البهائي في الحبل المتين [١].
على أنّ التدبّر في كلامه يقضي بأنّه ليس مخالفاً فيما نحن فيه؛ لأنّ حاصل كلامه أنّ الاستصحاب حجّة مع الظنّ بالمستصحب، أمّا مع العكس فليس حجّة، و هو على تقدير تسليمه لا دلالة فيه على المخالفة هنا؛ إذ ارتفاع الاستصحاب- بناءً على مختاره- لا يلزم منه ارتفاع الوجوب؛ لما عرفت من عدم انحصار الدليل عليه [على الوجوب] فيه [الاستصحاب]، بل الآية و يقين الشغل كافيان في إيجابه.
و ما في شرح الدروس من «أنّ الأصل براءة الذمّة» [٢]، ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه؛ لانقطاعها بيقين الشغل، و الشكّ في حصول الشرط شكّ في المشروط. على أنّ كلام البهائي [من عدم حجّية الاستصحاب مع الظنّ بعدم المستصحب] في مرتبة من الضعف تسقطه عن درجة الاعتبار؛ إذ هو في الحقيقة اجتهاد في مقابلة النصّ؛ لصراحة الروايات بعدم نقض اليقين إلّا باليقين [٣].
و ما في شرح الدروس: أنّه يستفاد من مفهوم قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشكّ» جواز نقضه بغيره ٤ ضعيف جدّاً؛ إذ هو- بعد تسلّم أنّه من المفاهيم المعتبرة- غير صالح لمعارضة غيره من الأدلّة، و كيف؟! مع قوله (عليه السلام) بعده: «و لكن تنقضه بيقين آخر».
هذا كلّه مع تسليم أنّ الشكّ يراد به ما هو المعنى المتعارف في ألسنة المصنّفين من التردّد مع مساواة الطرفين، و إلّا فلا إشكال بناءً على ما قيل: إنّه في اللغة للأعم من الشكّ و الظنّ [٥]، كما عن القاموس و الصحاح؛ لتفسيرهما إيّاه بأنّه خلاف اليقين [٦]، بل قد يؤيّده إطلاقه عليه في بعض الروايات [٧]، كما أنّ الظاهر أنّه في العرف العام كذلك، فتأمّل جيّداً.
و لقد وقع للمصنّف في المعتبر من الاستدلال على ما نحن فيه من يقين الحدث [٨] بما يحتاج في انطباقه عليه إلى تكلّف شديد، بل حملُه على السهو أولى منه.
و قد ظهر لك ممّا تقدّم في شرح عبارة المتن أنّه لا امتناع في اجتماع اليقين و الشكّ في زمن واحد بعد اختلاف متعلّقهما.
فما أطنب فيه بعض المتأخّرين [٩] من علاج هذا الإشكال بما هو غير سديد، و آخر [١٠] غير مفيد، و ثالث ١١ مآله إلى ما نريد، كأنّه في غير محلّه؛ إذ هو من المعاني المنساقة لكلّ سامع لمثل هذه العبارة كما هو واضح.
[١] الحبل المتين: ٣٧.
[٢] ٢، ٤، ١١ المشارق: ١٤٢.
[٣] انظر الوسائل ١: ٢٤٥، ب ١ من نواقض الوضوء.
[٥] الحدائق ٢: ٤٠١.
[٦] القاموس المحيط ٣: ٣٠٩. الصحاح ٤: ١٥٩٤.
[٧] المستدرك ١: ٣٤٢، ب ٣٨ من الوضوء، ح ١.
[٨] المعتبر ١: ١٧٠.
[٩] الذكرى ٢: ٢٠٧.
[١٠] المدارك ١: ٢٥٣.