جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٠٦ - حكم الغسلة الثالثة
..........
و يدلّ عليه [كون الغسلة الثالثة محرّمة]:
١- مضافاً إلى ما دلّ على حرمة إدخال ما ليس من الدين في الدين [١]. ٢- خصوص مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام): «و الثالثة بدعة» [٢]. منضمّاً إلى قوله (عليه السلام) في خبر عبد الرحيم القصير: «قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة في النار» ٣. و مع [قول] الباقر (عليه السلام) في خبر الفضل بن شاذان مرفوعاً نحو ذلك ٤. ٣- مؤيّداً بما روي: «أنّ الوضوء حدّ من حدود اللّٰه، ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه» [٥]. و لا ريب أنّ من زاد في الوضوء فقد تعدّى، كما يقضي به بعض الأخبار؛ لقوله (عليه السلام) فيها بعد أن فرغ من الوضوء: «هذا وضوء من لم يحدث حدثاً» [٦]. ٤- و قال الصادق (عليه السلام) في خبر السكوني: «أنّ من تعدّى في الوضوء كان كناقصه» [٧]. ٥- بل قد يستدلّ عليه بقول الصادق (عليه السلام) لداود بن زربي: «توضّأ مثنى مثنى، و لا تزدن عليه، فإن زدت عليه فلا صلاة لك» [٨]. و بقوله (عليه السلام) في صدر هذا الخبر: «إنّ من توضّأ ثلاثاً فلا صلاة له».
و إن كان قد يناقش في الأخير بأنّه لا يدلّ إلّا على البطلان، و هو أعمّ من الحرمة. بل يمكن المناقشة في النهي المتقدّم عن الزيادة: بأنّ النواهي و الأوامر في بيان الواجب و المستحب لا تفيد إلّا الإيجاب الشرطي و إن كانت حقيقة في الوجوب بالمعنى المصطلح، كما يشهد بذلك كثرة ورودها في المعاملة و نحوها. ٦- و ربّما استدلّ أيضاً على الحرمة بأنّ فيها تفويتاً للموالاة، و قد عرفت وجوبها. و فيه: أنّه على تقدير التسليم لا يفيد حرمة الفعل، بل يقضي بحرمة الترك، و الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضدّه، على أنّه ليس منافياً للمتابعة العرفية. و أيضاً قد عرفت عدم وجوبها بمعنى المتابعة، و ذلك لا يتمّ إلّا عليها.
و دعوى أنّه يتمّ أيضاً على القول بمراعاة الجفاف؛ لأنّ الغسل الثالث مذهب و مزيل لماء الوضوء الأوّل، مدفوعة: بما سمعت من أنّ المراد بمراعاة الجفاف تقدير زماني. و أيضاً فالحكم معلّق على الجفاف، و هو غير صادق في المقام، على أنّ رطوبة الوضوء باقية و إن امتزج معها غيرها.
و كيف كان، ففي الأدلّة المذكورة كفاية، و لم نعثر على ما يدلّ على قول المخالف سوى: الأصل، و قوله (عليه السلام) في رواية زرارة:
«الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يؤجر عليه» ٩. و الأصل مقطوع بما سمعت، و الخبر أعمّ من الإباحة، بل قد يدّعى أنّ ذلك كناية عن الحرمة؛ لعدم تصوّر الإباحة في جزء العبادة.
و أمّا المناقشة فيما ذكرناه من الأدلّة ب: ١- أنّ اللازم منه تحريم اعتقاد ندبيّتها، لا فعلها بدون ذلك الاعتقاد، بل و مع الاعتقاد أيضاً، و الكلام في حرمة الفعل لا الاعتقاد.
٢- بل قد يناقش في حرمة ذلك الاعتقاد؛ لأنّه قد يكون ناشئاً من اجتهاد أو تقليد، فلا إثم حينئذٍ و إن كان خطأً. و دعوى أنّ ذلك من الضروريات ممنوعة، و إلّا لقضي بكفر المعتقد، و لا قائل به.
٣- بل قد يمنع تصوّر الاعتقاد مع العلم بعدم المشروعية. ففيها: إنّ المراد بحرمة غسل الثالثة إذا جيء بها على جهة المشروعية كما هو الظاهر من الأدلّة؛ لأنّ مساقها الردّ على العامّة المبدعين استحبابها.
[١] ١، ٣، ٤ الكافي ١: ٥٤، ٥٦، باب البدع، ح ١٢، ٨.
[٢] ٢، ٩ الوسائل ١: ٤٣٦، ب ٣١ من الوضوء، ح ٣، ح ٥.
[٥] الوسائل ١: ٤٣٨، ب ٣١ من الوضوء، ح ١٢.
[٦] المصدر السابق: ٤٣٧، ح ٨.
[٧] المصدر السابق: ٤٤٠، ح ٢٤.
[٨] الوسائل ١: ٤٤٤، ب ٣٢ من الوضوء، ح ٢.