جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٧٨ - عدم إعادة الطهارة إذا زالت التقيّة
..........
[و ثالثاً]: على أنّ عمومها ليس عموماً وضعياً يصلح لشمول المقام، بل هو منصرف إلى الأفراد المتعارفة.
و ما يقال: إنّ العمل بقاعدة الإجزاء على الوجه الذي ذكرت ينافي قاعدة واقعية الشرائط، و غيرها من القواعد، فينبغي الحكم بصحّة صلاة من زعم الطهارة أو الوقت أو نحو ذلك.
فيه: أنّه فرق ظاهر بين الأمر الحقيقي واقعاً لكنّه في مقام خاصّ كما نحن فيه، و بين تخيّل وجود الأمر، كجهل الموضوع، و جهل الحكم حيث يكون معذوراً، و إن اشتبه فيه بعض الأعلام و حكم بالصحّة مع الجهل حيث يكون معذوراً و لو جاء بصورة مضادّة لصورة الصلاة، و هو عجيب.
و ما يقال: إنّه في المقام قد تعارض أصالة الصحّة مع أصالة بقاء يقين اشتغال الذمّة بالمشروط بالطهارة؛ لعدم ثبوت أزيد من الاستباحة من الخبر المجوّز له للضرورة، و هي تتقدّر بقدرها.
فيه: [أوّلًا]: أنّك قد عرفت أنّ الصحّة فيما نحن فيه مستفادة من ظاهر الأدلّة فلا يعارضها أصالة بقاء الشغل.
و [ثانياً]: بعد التسليم فاستصحاب الصحّة قاطع لأصالة الشغل؛ لأنّه في الحقيقة استصحاب لمقطوعيّته، فتأمّل جيّداً.
و من العجيب ما عن الفخر (رحمه الله) في توجيه الاستئناف، قال- بعد أن ذكر احتمالي رفع الحدث بهذا الوضوء و عدمه-: «و الأقوى عندي وجوب الاستئناف على كلّ حال؛ لأنّ صورة الفعل مقصودة- لأنّ القصد ليس رفع الحدث و حكمه خاصّة، بل نفس الفعل أيضاً- و الضرورة أسقطته» [١] انتهى. و هو عجيب لم يسبقه إليه أحد و لا لحقه، و فساده واضح.
كما أنّه في المقام كلام لبعض المتأخّرين [٢] في المناقشة بجريان الاستصحاب و غيره، خالٍ عن التحصيل. و ممّا ذكرنا تعرف وجه الاستدلال للأوّل. بل تعرف تسرية الكلام في غير المقام. و ممّا يؤيّد ما اخترناه اتّفاقهم- على ما قيل [٣]- أنّ من غسل رجليه عوض المسح للتقيّة ثمّ ارتفعت لم يجب إعادة الوضوء. و هما من وادٍ واحد. قال في جامع المقاصد- في شرح قول العلّامة في القواعد: «و لا يجزي الغسل عنه إلّا للتقيّة»- ما لفظه: «و لا يجب الإعادة بزوالها قولًا واحداً فيما أظنّه» ٤ انتهى. و احتمال الفرق بين المقام و بين الغسل للتقيّة- مع أنّه من بعض ما نحن فيه المسح على الخفّ للتقيّة- بعيد. لكن قد يظهر من العلّامة في المنتهى الفرق بينهما، حيث حكم بوجوب الاستئناف في المقام مع زوال الضرورة [٥]، بخلافه مع الغسل للتقيّة. و لعلّه لأنّه فهم من الأدلّة كون التقيّة تكليفاً واقعياً، بخلاف غيره فإنّه عذري.
و كأنّه إنّما فرّق بين التقيّة، أي تقيّة المسح على الخفّ، و تقيّته [الغسل]؛ لأنّ الاولى جوازها لكونها من أفراد الضرورة، بخلاف الثانية. و الذي يظهر من غيره، بل منه أيضاً في التذكرة عدم فرقه بين الغسل للتقيّة و المسح على الخفّ في وجوب الإعادة مع الزوال [٦]. بل يظهر من غيره عدم الفرق بين المقام و غيره من ذوي الأعذار و هو كذلك. و ممّا يؤيّد المختار أيضاً ما تقدّم منّا سابقاً من عدم اشتراط تعذّر المندوحة في التقيّة.
[١] الايضاح ١: ٤٠.
[٢] الحدائق ٢: ٣١٤.
[٣] ٣، ٤ جامع المقاصد ١: ٢٢٢.
[٥] المنتهى ٢: ٨٤.
[٦] التذكرة ١: ١٧٢، ١٧٤، إلّا أنّه قال بعدم وجوب الإعادة في الحالين.