جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨٤ - ما قد يدخل في حدّ الوجه
..........
و كأنّ الذي دعاه [البهائي (رحمه الله)] إلى ذلك [التفسير]- مضافاً إلى ما سمعت- اشتمال الرواية على لفظ الاستدارة. و فيه:
١- مع أنّه من المعاني الغامضة التي لا يليق بالإمام مخاطبة عامّة الناس بها.
٢- و منافٍ لما يظهر من كلام الأصحاب الماهرين الذين هم الأئمّة في فهم الأخبار، أصحاب القوى القدسيّة.
٣- أنّه منافٍ لما تسمعه من التحقيق الذي يأتي على جميع ما ذكرنا و ذكر من الإشكال، و هو أنّ الأصحاب لم يجعلوا الإبهام و الوسطى معياراً للحدّ الطولي، بل حدّدوه بكونه من القصاص إلى الذقن. نعم، قد جعلوهما حدّاً للعرض. و من المعلوم أنّ المراد بالقصاص قصاص الناصية، ثمّ يؤخذ ما يسامتها من الجانبين في عرض الرأس، فيخرج النزعتان لكونهما ليسا من الوجه قطعاً؛ إذ التحديد مساق لبيان الوجه، و إلّا فالدائرة التي ذكرها البهائي لا تجدي في دفع الإيراد بالنزعتين كما هو واضح، فيراد حينئذٍ بعد تعليق الجار و المجرور [ «من قصاص»] بقوله (عليه السلام): «دارت» أنّ ما أحاطت به الإبهام و الوسطى و ما جرت عليه من القصاص إلى الذقن فهو من الوجه، بمعنى أنّ كلّ موضع جرت عليه الإصبعان من هذا المكان الذي هو من القصاص إلى الذقن فهو من الوجه.
٤- و لعلّ هذا [المعنى] أولى ممّا ذكره [البهائي (رحمه الله)]؛ لظهور قوله (عليه السلام): «دارت عليه الإبهام و الوسطى من القصاص» في كون ابتداء الدوران للإصبعين معاً من القصاص، و على كلامه يكون الدوران من القصاص للوسطى خاصّة؛ لكون المفروض أنّ الإبهام على الذقن.
٥- بل لا معنى لجعل الذقن منتهى الدائرة؛ لأنّ ابتدائها وقع من القصاص و الذقن و انتهائها إليهما أيضاً، بأن يكون الإبهام على القصاص و الوسطى على الذقن، فيكون لكلّ من الإصبعين نصف الدائرة، مع أنّ الرواية كادت تكون صريحة في إرادة ابتداء جريان مجموع الإصبعين من القصاص و انتهائه إلى الذقن، و هو عين ما ذكره الأصحاب.
٦- بل لا يخفى على المتأمّل في التحديد الذي ذكره [البهائي] أنّه يخرج عنه بعض الجبينين قطعاً، مع أنّهما من الوجه بديهة كما هو نصّ خبر إسماعيل بن مهران [١].
٧- بل قد يقال: إنّ جميع ما تكلّفه محافظة على حقيقة العبارة لا يتمّ معه؛ لظهور قوله (عليه السلام): «ما دارت عليه الإبهام و الوسطى من قصاص ... إلى آخره»، في أنّ الإصبعين يدوران في جميع أجزاء الوجه من القصاص إلى الذقن فيلزم ما لا يتناهى من الاستدارة، و هو لا معنى له؛ إذ كيف يعقل حصول الاستدارة في خطّ لا سعة له كما هو واضح؟! و حمل اللفظ [أي «ما دارت»] على إرادة معنى آخر ليس بأولى ممّا ذكرنا من إرادة الإحاطة ثمّ الجريان حتى ينتهيا إلى الذقن، بل ذلك أولى من وجوه.
٨- بل يحتمل أن يراد بالإدارة نفس الجريان، و سمّي مثل ذلك: إدارة، لأنّه يحصل منه شبه دائرة. و به يظهر وجه قوله (عليه السلام): «مستديراً»؛ إذ هو حال إمّا من لفظ «ما» أو من الضمير المجرور بحرف الاستعلاء، و لا فساد في شيء من ذلك، لكنّه يكون حينئذٍ ذكر الأصحاب للحدّ الطولي ليس لتضمّن الرواية صريحاً له، بل هو لازم للمعنى الذي ذكرناه. مع أنّه يمكن أن يجعل الأوّل [أي ما ورد في رواية زرارة: «ما دارت»] للحدّ الطولي على حمل «دارت» على معنى اشتملت و أحاطت، و يكون قوله (عليه السلام):
«و ما جرت» بياناً للحدّ العرضي، و لا ضير فيه. و لو لا مخافة إطالة الكلام لأطنبنا الكلام فيما يرد على ما ذكره، و فيما ذكرنا الكفاية. و به يندفع جميع ما تقدّم من الإشكالات.
[١] الوسائل ١: ٤٠٤، ب ١٧ من الوضوء، ح ٢.