جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٤ - زمان وجوب الغسل للصوم
..........
و من العجيب أنّ العلّامة (رحمه الله) مع قوله بالوجوب النفسي ذكر كما ذكر المصنّف (رحمه الله): من أنّه إنّما يجب عند ضيق الوقت.
و قيل: إنّه حكي عنه الاعتذار عن ذلك بأنّ المراد تضيّق الوجوب بسببه و إنّما الموجب له الجنابة [١].
و فيه: أنّه مشعر بأنّ الغسل لا يجب إلّا بوجوب واحد نفسي حاصل من حين وجود سببه لا يتضيّق إلّا بظنّ الموت أو بتضيّق العبادة المشروطة به.
و هو و إن كان مطابقاً لظاهر المنقول عن القائل بالوجوب النفسي في جميع الطهارات- من وجوبها بحصول أسبابها وجوباً موسّعاً لا يتضيّق إلّا بظنّ الوفاة أو تضيّق العبادة المشروطة بها- و لاستدلال القائلين بوجوب غسل الجنابة لنفسه؛ بأنّه لو كان واجباً لغيره لزم جواز الإصباح على الجنابة في شهر رمضان؛ لعدم وجوب الواجب للغير إلّا بعد دخول الوقت.
لكن ينبغي القطع بفساد ذلك كلّه؛ لما عرفت من أنّه لا إشكال و لا نزاع في الوجوب الغيري عند القائلين بالوجوب النفسي، و أنّ الذي يتضيّق بتضيّق العبادة إنّما هو الأوّل دون الثاني، كالعكس في ظنّ الوفاة.
نعم، قد يجتمعان، و لا مانع من ذلك، كما في غيرهما ممّا وجب لنفسه و لغيره.
و كيف كان، فقد ظهر لك أنّ القول بالوجوب النفسي لا يحسم مادة الإشكال. و لذلك نقل عن البهائي أنّه سلك مسلكاً آخر في التخلّص عن ذلك، و هو صرف وجوب الغسل للصوم عن ظاهره، و جعل الغاية توطين النفس على إدراك الفجر طاهراً [٢].
و فيه- مع وضوح فساده في نفسه-: أنّ وجوب التوطين على إدراك الفجر طاهراً فرع وجوب الغسل قبل الوقت، فإن صحّ فلا حاجة إلى غيره، و إلّا لم يجب التوطين.
و أعجب من ذلك ما أجاب به ابن إدريس في السرائر- بعد أن أورد الاعتراض على القول بالوجوب الغيري بما حاصله-: أنّ الجنب في ليالي شهر رمضان إن أوجبتم عليه الاغتسال قبل الفجر فقد رجعتم إلى القول بالوجوب النفسي من حيث لا تشعرون؛ لعدم وجوب الواجب للغير قبل الوقت. و إن قلتم: لم يجب- كما هو قضية قولكم بندبيّته قبل الوقت- خالفتم الإجماع؛ إذ لا خلاف في اشتراط صحّة الصوم بالطهارة من الجنابة قبل الفجر، فيجب حينئذٍ لوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.
و أجاب عن ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ الامّة بين قائلَين: قائل بوجوب الغسل في جميع الشهور و الأيام و الأوقات و هذا المعترض منهم، و قائل بوجوبه فيما عيّنّاه و شرحناه- يعني به الوجوب للغير بعد الوقت- و ليس هاهنا قائل بالندب في طول أوقات السنة إلّا الوقت المتقدّم و ليالي شهر رمضان، قال: فانسلخ من الإجماع بحمد اللّٰه تعالى، و حسبه بهذا عاراً و شناراً.
و الثاني: أنّا نسلّم وجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به، لكن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل؛ و ذلك لتمامية الصوم بالاغتسال من دون نيّة الوجوب، بل يكتفي بنيّة الندب قربة إلى اللّٰه، فيصحّ حينئذٍ صومه بلا خلاف [٣].
[١] الروض: ١٧.
[٢] مشرق الشمسين (ضمن كتاب الحبل المتين): ٣١١.
[٣] السرائر ١: ١٣٠- ١٣١.