جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٨ - تنقيح القاعدة في الشبهة المحصورة
..........
٢- و منافٍ لما قد عرفت أنّ لفظ الحرام و النجس يراد بهما الواقع؛ لعدم دخول العلم في مفهوم اللفظ، و لترتّب الفساد و نحوه عليه.
٣- فيه: أنّا نمنع شمولها [العمومات] لمثل المقام؛ و ذلك لظهور قوله (عليه السلام): «كلّ شيء يكون فيه حلال و حرام ... إلى آخره» في إرادة أنّ الشيء الكلّي الذي يكون منه حلال و حرام، بمعنى أنّه لا تحصل الحرمة بمجرّد الاحتمال، و هو في الشبهة الغير المحصورة. و يكشف عن ذلك:
أ- قوله (عليه السلام) في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قِبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و مملوك عندك و هو حرّ قد باع نفسه، أو خُدِع فبِيع قهراً، أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة» [١]. فانظر كيف كشف (عليه السلام) أصل المراد بقول: «كلّ شيء ... إلى آخره» فيكون مراده حينئذٍ بيان أنّه لا معنى لحرمة الأشياء بمجرّد الاحتمال، لا أنّه إن كان هناك عبدان أحدهما تعلم أنّه حرّ و الآخر مملوك، أو أنّ امرأتين أحدهما أجنبية و الاخرى اختك، فهو حلال أيضاً.
ب- و منها: رواية عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): عن الجبن، فقال: «سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهماً، فقال: يا غلام ابتع لنا جبناً، ثمّ دعا بالغداء، فتغدّينا [معه]، و أتى بالجبن ف [أكل و] أكلنا، فلمّا فرغنا [من الغداء] قلت: ما تقول في الجبن؟ قال: أولم ترني آكله؟! قلت: و لكن احبّ أن أسمعه منك، فقال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» [٢]. فإنّه ظاهر في إرادة حكم الجبن و غيره ممّا مثله، و مقصوده بكون مثل الجبن فيه حلال، أنّه يكون منه حلال و منه حرام، لا أنّ المقصود منه أنّه إذا كان جبنان أحدهما تعلم حرمته و الآخر حلّيته فهو حلال ... إلى آخره، كلّا، بل هو ظاهر فيما ذكرنا.
جو مثل ذلك رواية ضريس، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): عن السمن و الجبن في أرض المشركين و الروم، أ نأكله؟ فقال: «ما علمت أنّه خلطه الحرام فلا تأكل، و ما لم تعلم فكله حتّى تعلم أنّه حرام» [٣].
د- و ما نقل عن كتاب المحاسن عن أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): عن الجبن، فقلت: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة، فقال: «من أجل أنّه كان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض؟ فما علمت منه أنّه ميتة فلا تأكله، و ما لم تعلم فاشتره و بعه و كُلْه، و اللّٰه إنّي لأعترض السوق فاشتري منه اللحم و السمن و الجبن، و اللّٰه ما أظنّ كلّهم يسمّون، هذه البريّة و هذا السودان» [٤]. بل جميع هذه الروايات ظاهرة في المأخوذ من يد المسلمين، و المشترى من أسواقهم، و الشُّبه الغير المحصورة و نحو ذلك، فأين هذه الأخبار و الاستدلال على نحو المقام؟! و الظاهر أنّ روايات الطهارة خارجة هذا المخرج، أي بمعنى أنّ الشيء لا ينجس بمجرّد احتمال النجاسة، و هذا كلام يقال مع عدم حضور الشبهة المحصورة في الذهن و خطورها بالبال، بل المقصود أنّ الأشياء كلّها على الطهارة حتى تعرف عروض النجاسة.
[١] الوسائل ١٧: ٨٩، ب ٤ ممّا يكتسب به، ح ٤.
[٢] الوسائل ٢٥: ١١٨، ب ٦١ من الأطعمة المباحة، ح ١.
[٣] الوسائل ٢٤: ٢٣٦، ب ٦٤ من الأطعمة المحرّمة، ح ١ مع اختلاف يسير.
[٤] المحاسن ٢: ٢٩٦، ح ٦١٢. الوسائل ٢٥: ١١٩، ب ٦١ من الأطعمة المباحة، ح ٥.