جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٧ - تنقيح القاعدة في الشبهة المحصورة
..........
فإن قلت: إنّ قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله» [١] شامل لمحلّ النزاع، فإنّك نقضت اليقين- و إن كان سابقاً- بغير اليقين.
قلت: لا يخفى أنّ معنى الحديث أنّك لا تنقض اليقين الذي لو لا عروض هذا الشكّ لبقي على هذا المتيقّن، و فيما نحن فيه ليس كذلك؛ فإنّه لو لا هذا الاشتباه لم يعلم كونه على هذا اليقين؛ إذ قد يكون هو النجس. و الحاصل: أنّ المعنى أنّ تيقّن الطهارة مثلًا إلى حصول الشكّ لا تنقضه بالشكّ، بل ابقَ على مقتضى اليقين الأوّل إلى أن يجيئك يقين مثله ينقضه.
لا يقال: إنّ ما ذكرت ليس أولى من أن يقال: إنّ معنى الرواية أنّه لا ينقض حكم اليقين الأوّل بسبب الشكّ، بل هذا أولى؛ إذ ليس المراد نقض اليقين نفسه، بل المراد نقض حكمه؛ ضرورة أنّ اليقين نفسه يرتفع بالشكّ.
لأنّا نقول: إنّ هذا أيضاً لا ينافي ما ذكرنا؛ و ذلك لأنّا لا نريد بعدم نقض اليقين عدم ارتفاع نفس اليقين، بل هو قد ارتفع قطعاً، بل نريد عدم نقض الأحكام التي تترتّب على الموضوع بسببه، لكن المعنى أنّك لا تنقض أحكام اليقين بكلّ ما يزيل اليقين إلّا بالمزيل الذي هو اليقين بالنقيض، و أمّا باقي المزيلات له فلا تنقض أحكامه بها، و هو ظاهر في أنّه لو لا هذا المزيل لكان باقياً؛ لأنّ الفرض أنّ نقضه إنّما كان به و هذا المعنى مفقود فيما نحن فيه، لأنّه على تقدير فرض نفي الاشتباه لم يعلم أنّه الطاهر. على أنّه ربّما يدّعى ظهور قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ»، فيما شكّ في زوال وصفه نفسه، لا فيما إذا اشتبه بالزائل، فتأمّل جداً جيّداً.
على أنّا إن قلنا بجريان الاستصحاب فيما ذكرنا- من بقاء التكليف باجتناب النجس هنا، أي حال الاشتباه [و شموله للإناءين]- فهو قاطع للاستصحاب المذكور؛ لأنّ الخطاب بالمجمل مع تيسّر الامتثال يقبّحون أهل العرف معه تناول أحدهما و يعدّونه في قسم العصاة، و إلّا فكلّ مقدّمة لواجب هي مباح في نفسها أو مندوبة أو مكروهة أو غير ذلك. فلو فرضنا أنّ المقدّمة يعارضها استصحاب أو الإباحة نفسها، لم تبق مقدّمة لواجب نقول بوجوبها.
و من هنا تعرف أنّ القسم الثاني- و هو الذي تقع في أحدهما النجاسة و لم يعلم في أيّهما- و إن قلنا بجريان الاستصحاب فيه، لكن باب المقدّمة فيه فيقطعه؛ لكونها من قسم الخطابات. نعم، لا يتمّ ذلك إلّا على القول بعدم الوجوب [للاجتناب] فلا مقدّمة حينئذٍ، لكن قد عرفت ما فيه و ما في الاستدلال عليه بأصالة البراءة و نحوها. و من المعلوم عدم جريان ما ذكرنا من الاستصحاب فيما لو كان أحد الإناءين بولًا و الآخر ماء.
فإن قلت: نحن لا نتمسّك في شيء من ذلك بالاستصحاب و لا بأصل البراءة، بل نتمسّك فيما يرجع إلى الطهارة و النجاسة بقوله (عليه السلام): «كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنّه قذر» [٢]، و قوله (عليه السلام): «كلّ ماء طاهر حتى تعلم أنّه نجس» [٣]، و فيما يرجع إلى الحلّ و الحرمة بقوله (عليه السلام): «كلّ شيء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» [٤].
قلت: هو: ١- مع كونه ليس جارياً في سائر الأشياء مثل الأنكحة و نحوها ممّا لا تجري فيه هذه العمومات.
[١] الوسائل ١: ٢٤٥، ب ١ من نواقض الوضوء، ح ١، و فيه: «و لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ، و إنّما تنقضه بيقين آخر».
[٢] الوسائل ٣: ٤٦٧، ب ٣٧ من النجاسات، ح ٤.
[٣] لم نعثر عليه بعينه، و في الوسائل ١: ١٣٣، ب ١ من الماء المطلق، ح ٢، و فيه: «كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر».
[٤] الوسائل ١٧: ٨٨، ب ٤ ممّا يكتسب به، ح ١.