جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٠ - مقدار التباعد بين البئر و البالوعة
..........
و في جامع المقاصد- كما عن جماعة من الأصحاب- اعتبار الجهة عند تساوي القرار؛ لمكان هذه الرواية. قال في جامع المقاصد: «و طريق الجمع حمل ما دلّ على الزيادة على المبالغة في الاستحباب، و حينئذٍ فيعتبر الفوقية و التحتية باعتبار المجرى، فإنّ جهة الشمال فوق بالنسبة إلى ما يقابلها، كما دلّت عليه هذه الرواية، و إنّما يظهر أثر ذلك مع التساوي في القرار، و يضمّ إلى الفوقيّة و التحتيّة باعتبار القرار و إلى صلابة الأرض و رخاوتها، فيحصل أربع و عشرون صورة» [١] انتهى.
و كيفية الانتهاء [إلى هذه الصور] واضحة؛ لما علمت سابقاً أنّ الصور المتقدّمة ست، و في المقام صور أربعة، لأنّ البئر و البالوعة إمّا أن يكون امتدادهما بين الشمال و الجنوب، و له صورتان: كون البئر في الشمال و عكسه؛ أو يكون بين المشرق و المغرب، و له أيضاً صورتان: كون البئر في المشرق و عكسه، و معلوم أنّ ضرب الستة في الأربع تبلغ أربعاً و عشرين صورة، في سبع عشر منها يكتفى بالخمس، و هو صورة الصلابة بأسرها، و هي اثنا عشر، و يضاف إليها صورة فوقيّة قرار البئر في الأرض السهلة، و لها أربع بالنسبة إلى الجهة فتكون ستة عشر، و يضاف صورة تساوي القرارين مع علوّ البئر في الجهة، فإنّه بمنزلة علوّ القرار، فتكمل حينئذٍ سبعة عشر، و الباقية سبع لها سبع. و أنت خبير أنّه لا مخالفة بين هذه الصور كلّها و بين إطلاق الصور الست المتقدّمة، إلّا في صورة واحدة، و هي تساوي القرارين و كانت الأرض سهلة و البئر أعلى جهة؛ فإنّه على الأوّل كان بينهما سبع، و على الثاني يكون بينهما خمس؛ تنزيلًا لعلوّ الجهة منزلة علوّ القرار، و من المعلوم أنّ رواية الديلمي و إن أفادت أنّ مهبّ الشمال فوق، لكنّها لم تفد تقديره بهذا التقدير. و كأنّ هذا القائل استفاد منها مجرّد كون مهبّ الشمال فوق، ثمّ أدخله في رواية ابن رباط، فجعل الفوق فيها شاملًا لفوقية القرار و فوقية الجهة، ثمّ جمع الجمع المتقدّم ذكره سابقاً بينها و بين رواية الجمّاز.
إذا عرفت ذلك، فلا معنى للتأمّل- كما عن بعضهم [٢]- بأنّ الاعتبار يقضي بأن يكون السبع إمّا في ثمان أو ستّ؛ لأنّ فوقية القرار إمّا أن تعارض فوقية الجهة و يصير بمنزلة المتساويين أو لا، فإن كان الأوّل فالأول [أي الثمان] و إن كان الثاني فالثاني [أي الستّ]، و أمّا اعتبار الجهة في البئر دون البالوعة فتحكّم.
لأنّا نقول:
أ- أمّا على الأوّل يلزم الأوّل فحقّ؛ لأنّه يضاف حينئذٍ إلى السبع صورة فوقية البئر قراراً، و فوقية البالوعة جهة، فإنّه قد ذكرنا أنّ في هذه خمساً، و على كلام المعترض ينبغي السبع لتعارضهما [الفوقيتين]، فتكون متساوية و لها سبع.
ب- و أمّا [أنّه] على الثاني يلزم الثاني فغير مسلّم، فإنّا نختار عند تعارضهما تقديم فوقية القرار مع سهولة الأرض، أخذاً بإطلاق رواية ابن رباط المتقدّمة، و لا يلزم منه الستّ؛ لأنّ السبع إنّما هي صورة تساوي القرارين و معها ثلاث: كون البالوعة في جهة الشمال أو المشرق أو المغرب، و خرجت صورة واحدة و هي إذا كانت البئر في مهبّ الشمال، فإنّها حينئذٍ تكون بمنزلة علوّ القرار، و في هذه الصور الثلاث لا تعارض، و صورُ فوقية قرار البالوعة و تحتها أربع، و التعارض حينئذٍ في صورة واحدة و هي فيما إذا كانت مع ذلك البئر في مهبّ الشمال. و قد قدّمنا أنّه يقدّم فوقية القرار كما هو الفرض على التقدير الثاني، للإطلاق المتقدّم.
[١] جامع المقاصد ١: ١٥٧.
[٢] المشارق: ٢٤٧.