جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٩ - مقدار التباعد بين البئر و البالوعة
..........
و وجه الاستدلال: أنّ في كلّ من الروايتين إطلاقاً من وجه و تقييداً من آخر، فجمع بينهما بحمل مطلقهما على مقيّدهما، بمعنى أنّ مورد السبعة في الرواية الاولى مقيّدة بمورد الخمسة في الرواية الثانية، و السبعة التي في الرواية الثانية مقيّدة بالخمسة التي في الرواية الاولى.
و لا يخفى عدم جريان مثل ذلك على القواعد، بل المستفاد من مجموع الروايتين:
أنّ السبعة لها سببان: ١- السهوليّة. ٢- و فوقيّة البالوعة.
و الخمسة أيضاً لها سببان: ١- الجبليّة. ٢- و أسفليّة البالوعة.
و يحصل التعارض عند تعارض الأسباب، كما إذا كانت الأرض سهلة و البالوعة أسفل من البئر، فلا بدّ من مرجّح خارجي حينئذٍ، و كذلك لو كانت الأرض جبلًا و البالوعة فوق البئر، و لعلّه بالنسبة إلينا تكفي الشهرة في المرجّح، فيكون تحكّم كلّ منهما على الآخر بمعونتها، و بالنسبة إليهم [المشهور] لا نعلم المرجّح، و لعلّه دليل خارجي، أو أنّ سهولة الأرض لا تؤثّر مع أسفلية البالوعة كما أنّه لا يؤثّر علوّها عليه مع جبلية الأرض.
و على كلّ حال، فصورة التساوي يمكن دخولها تحت قوله (عليه السلام): «إن كانت الأرض سهلة فسبع»؛ لأنّها غاية ما قيّدت بما لم تكن البئر فوق البالوعة، فتبقى الصورتان داخلتين، و هما صورة فوقيّة البالوعة و تساوي القرار، و هو الذي حكم به المشهور. و أمّا الجبليّة في الرواية الاولى فهي غير مقيّدة بشيء، فلا معنى حينئذٍ للإشكال في صورة التساوي بعد تسليم ما ذكروه من الجمع. نعم، تتّجه المناقشة في هذا الجمع بعدم جريانه على القواعد.
و الظاهر أنّ المراد بالفوقية في الرواية فوقيّة القرار؛ لأنّها هي المتبادر من لفظ الفوق، لا فوقيّة الجهة و هو الذي فهمه كثير منهم و حملوا عليه كلامهم، فإنّ فيه لفظ الفوق كما في الأخبار، و ليس له تعرّض لفوقيّة القرار أو فوقية الجهة.
حجّة ابن الجنيد: ما أشار إليها في كلامه من رواية سليمان الديلمي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البئر إلى جنبها الكنيف؟ فقال لي: «إنّ مجرى العيون كلّها مع مهبّ الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال و الكنيف أسفل منها لم يضرّها إذا كان بينهما أذرع، و إن كان الكنيف فوق النظيفة فلا أقلّ من اثني عشر ذراعاً، و إن كانت تجاهها بحذاء القبلة و هما مستويان في مهبّ الشمال فسبعة أذرع» [١].
و [فيه]:
١- من المعلوم أنّ هذه الرواية مع ضعف سندها و عدم الجابر.
٢- لا تفي بجميع ما ادّعاه أوّلًا من كون الاثني عشر مشروطاً بأمرين: السهولة و العلوّ، مع اكتفاء الرواية بالثاني.
٣- على أنّ دعواه الاكتفاء مع الصلابة بسبع، و لم يذكر في الرواية.
و لعلّه لم يأخذ جميع ما ذكر من هذه الرواية، بل أخذ الصلابة و الرخاوة من الأخبار الاخر، و علوّ الجهة من هذه الرواية، و جمع بينهما بما ذكر، و قد عرفت سابقاً أنّ الصدوق في المقنع نقل عنه أنّه عمل بهذه الرواية أيضاً.
[١] المصدر السابق: ٢٠٠، ح ٦.