جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٧ - الثالث إذا لم يقدّر للنجاسة
..........
و ما ادّعاه من الأولوية يبطله ما دلّ على نزح الجميع لتلك مع عدم التغيير. و ما يقال: إنّ تلك خرجت بالدليل، يدفعه: أنّ الأولوية هنا ليست من اللفظ، بل في الحقيقة قطع حصل لنا من ملاحظة كلام الشارع، و بعد فرض أنّه قد ورد في الشرع خلافه بطل ذلك القطع. و كذا [يدفع] ما يقال: نحن نقطع قبل وصول شيء إلينا من الشارع في ذلك، فإذا وصل بطل القطع فيما يصل و يبقى غيره؛ ضرورة أنّ هذا الواصل زلزل القطع من أصله في خصوص المقام.
و أظنّك بما ذكرنا تكتفي عن بيان فساد احتمال القول بتقدير التغيير ثمّ النزح لما يزوله مع كون التغيير غير مضبوط، فتأمّل.
و قيل بوجوب نزح الثلاثين، و نسب إلى العلّامة (رحمه الله) في المختلف [١]. و في المدارك حكى عن الشهيد نسبته للبُشرى و أنّه نفى عنه البأس [٢].
و احتجّ عليه برواية كردويه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول و العذرة و أبوال الدواب و أرواثها و خرء الكلاب؟ قال (عليه السلام): «ينزح منها ثلاثون دلواً و لو [كانت] مبخرة» [٣].
و عن الشهيد في الشرح: أنّه «وجد بخط الشيخ في الاستبصار: [مُبْخِرَة] بضمّ الميم و سكون الباء و كسر الخاء، و معناه المنتنة، و يروى بفتح الميم [أي مَبخرة] و معناه موضع النتن» [٤].
و في المدارك: «أنّ الاستدلال بها عجيب؛ إذ لا دلالة لها على المتنازع بوجه، فإنّ موردها نجاسات مخصوصة، و الكلام إنّما هو في غير المنصوص» ٥.
قلت: قد يقال: وجهه فهمهم من قوله (عليه السلام): «و لو كانت مبخرة» أنّ الثلاثين كافية في كلّ نجاسة تقع فيها حتى لو بلغت هذا المبلغ، و هذه عبارة تقال في مثل هذا المقام، فلا يراد منها خصوص ما سئل عنه.
نعم، قد يناقش بأنّ فيها كردويه، و عن العلّامة في المختلف: «انّي لم أعرف حاله، فإن كانت الرواية صحيحة فالقول به متّجه» ٦ انتهى. قلت: و لعلّه كذلك؛ إذ لم يذكر بمدح و لا قدح فيما حضرني.
و احتمال أن يقال: لا تقدح جهالة كردويه؛ لكون الراوي عنه ابن أبي عمير، و هو من أصحاب الإجماع.
يدفعه: أنّ الأقوى خلاف ذلك عندنا في أصحاب الإجماع، كما هو مبيّن في محلّه. فهذه الرواية- مع ما في سندها، بل و ما سمعته في دلالتها، و إعراض أكثر الأصحاب عنها- لا تصلح لأن تكون قاطعة لما ذكرنا.
كإعراضهم عمّا يستفاد من خبر عمّار الساباطي لمّا سأله عن المذبوح؟ فقال (عليه السلام): «ينزح منها دلاء، هذا إذا كان ذكياً فهو هكذا، و ما سوى ذلك ممّا يقع في البئر فيموت فيه فأكثره الإنسان ينزح منها سبعون دلواً، و أقلّه العصفور، ينزح منها دلو واحد، و ما سوى ذلك فيما بين هذين» [٧] من عدم تجاوز السبعين لكلّ حيوان بينهما، بل يكون خارجاً عن المسألة؛ لأنّ الكلام في غير المنصوص. فالأقوى حينئذٍ نزح الجميع.
[١] ١، ٦ المختلف ١: ٢١٧.
[٢] ٢، ٥ المدارك ١: ١٠٠.
[٣] الوسائل ١: ١٨١، ب ١٦ من الماء المطلق، ح ٣.
[٤] غاية المراد ١: ٧٨.
[٧] الوسائل ١: ١٩٤، ب ٢١ من الماء المطلق، ح ٢.