جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٣ - تقدير الكرّ بحسب المساحة
..........
هذا، و لكن قال المولى الأكبر في حاشية المدارك: «في دلالتها على المشهور نظر؛ من حيث عدم اشتمالها على الأبعاد الثلاثة، و ليس هو من قبيل قولهم: ثلاثة في ثلاثة؛ لشيوع الإطلاق و إرادة الضرب في الأبعاد الثلاثة؛ لوجود الفارق، و هو عدم ذكر شيء من الأبعاد بالخصوص في المثال، بخلاف الرواية حيث صرّح ببعد العمق، فيكون البعد الآخر هو القطر، و يكون ظاهراً في الدوري. و يؤيّده أنّ الكرّ مكيال للعراق و المعهود منه الدوري، و كذا رواية ابن حي [أي الحسن بن صالح] الواردة في الركي؛ إذ لا قائل بتفاوت الكرّية. فيكون الحاصل منهما: كون الكرّ ثلاثة و ثلاثين شبراً و نصفاً و ثمناً و نصف ثمن، و لا قائل به بخصوصه، مع أنّ الشيخ حمل رواية ابن حي على التقية فيترجّح، حمل هذه الرواية أيضاً على التقية، فتبقى رواية إسماعيل بن جابر سالمة عن المعارض» [١] انتهى.
و قد سبقه إلى احتمال ذلك في الخبر، المجلسي (رحمه الله) [٢] معترفاً بخروجه حينئذٍ عن سائر المذاهب؛ لأنّه يبلغ ثلاثة و ثلاثين شبراً و خمسة أثمان شبر و نصف ثمن شبر.
و فيه:
١- بعد منع حصر الشائع فيما ذكر.
٢- و ابتنائه على أنّ المحذوف غير العمق.
٣- أنّه مبني على ما لا يعرفه إلّا الخواص من علماء الهيئة، من ضرب نصف القطر- و هو واحد و ثلاثة أرباع- في نصف الدائرة- و هو خمسة و ربع-؛ لأنّ القطر ثلث الدائرة فيكون مجموع الدائرة عشرة و نصف، إذ المفروض أنّ القطر ثلاثة و نصف، ثمّ يضرب الحاصل من ذلك في ثلاثة و نصف العمق، فيبلغ حينئذٍ ما ذكره تقريباً لا تحقيقاً، إذ التحقيق أنّها تبلغ اثنين و ثلاثين و ثمناً و ربع ثمن. و تنزيل الروايات على مثل ذلك ممّا تمجّه الأفهام المستقيمة، و كيف يخاطب بذلك الحكيم من هو معلوم أنّه عن هذه المطالب بمعزل! على أنّه آتٍ في رواية إسماعيل بن جابر.
و دعوى أنّ ذلك متعارف في الأبعاد الثلاثة- كما ادّعاه- مسلّم في غير المعلوم منه الدوري، و أمّا فيه فيرجع تقديره إلى القطر، و الفرض أنّ الكرّ معلوم منه الدوري كما ذكر، فتأمّل.
٤- و أمّا ما ذكره من حمل الشيخ رواية الحسن على التقية، فهو ليس لما ذكره، بل لمخالفة حكم البئر لحكم الغدير، مع أنّه اشترط الكرّية فيها، فمن هذه الجهة حملها على التقية، كما فهم منه في الوسائل [٣].
و كيف كان، فالذي يقتضيه النظر العمل برواية أبي بصير؛ لانجبارها بالشهرة و الإجماع، و خبر الحسن بن صالح، لا سيّما على ما تقدّم نقله عن الاستبصار [بذكر الأبعاد الثلاثة]؛ و لعلّه ترك الطول فيها- على ما في الكافي و عن التهذيب- للعلم به حينئذٍ من ذكر العرض، لأنّه إمّا أن يكون مساوياً لها أو أزيد، و الزيادة منتفية عنه بالإجماع لعدم الاعتداد بالمخالف.
و ربّما يؤيّده أيضاً ما نقل عن المقنع أنّه قال: «روي أنّ الكرّ ذراعان و شبر في ذراعين و شبر» [٤]، فإنّه يمكن أن يراد بالذراع هنا عظم الذراع، و هو يزيد عن الشبر يسيراً، فيكون في عشرة و نصف.
[١] حاشية المدارك: ١٧.
[٢] ملاذ الأخيار ١: ١٨٥.
[٣] الوسائل ١: ١٦٠، ب ٩ من الماء المطلق، ذيل الحديث ٨.
[٤] الوسائل ١: ١٦٥، ب ١٠ من الماء المطلق، ح ٣.